فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 5287

الأمام، ولولاه لما وقفنا في منتصف الطريق أولا، ثم أخذنا نتقهقر إلى الوراء، حتى ضاعت معرفتنا وذبل غرسنا وكدنا لا نعرف من العالم إلا ما توحي به الأوهام، وما تتحدث به الخرافات أو ترويه المناقب. لقد كفرنا بالشهادة فلم نعد نقرأ لها حسابا، وحولنا الغيب الإلاهي إلى غيابات من الجهل لا تتفق مع شيء مما أمرنا به، أو حذرنا من الوقوع فيه.

وفي هذا الوقت نفسه، كان العالم الأوربي يتدبر فيما اقتبسه من تعاليم ديننا وما استمده من أصول حضارتنا، ويحاول أن يبدأ السير من حيث وقفنا وأن يعمل على دراسة العالم ومظاهره والاستفادة من موارده المختلفة، حتى اكتشف آلة البخار التي غيرت مجرى الحياة وطورت مقادير الإنسان.

وبينما نحن نغط في رقادنا، أو نهيم في سبحات المناقب المصطنعة التي نخدر بها إحساسنا، إذا به يقطع المسافات المتعاقبة، ليقفز بالاقتصاد العالمي هذه القفزة التي مكنته من زمام الأرض وما تحتها، والسماء وما حولها، ولم ننتبه إلا وطنين آلاته يقلق راحتنا، وأدواته المهيمنة توقظنا من مرقدنا، فحاولنا الإفلات منه، ملتجئين إلى عالمنا الوهمي ومناقبنا المصنوعة، ولكن ذلك كله لم يجدنا نفعا، ولا حمانا من سيطرة الاقتصاد العصري وما اشتمل عليه من تقدم في الصناعة وفي المعرفة، وكان ما أرادته السنن الكونية من سيطرة الذين أصلحوا أوطانهم وأساليب حياتهم علينا.

لقد كانت محنة أرادها الله، أيقظتنا من سباتنا، ونبهتنا من غفلتنا فتقدمنا نتساءل:

ما هي الأسباب وما هو الدافع لسقوطنا ونهوض غيرنا؟

ما هي العوامل التي جعلت تلامذتنا بالأمس أساتذة لنا بل سادة يحكموننا؟

والتجأ الجامدون إلى الرضى والاستسلام، وقد حلوا المشكل مع أنفسهم، لأنهم لا يبحثون عما يغير الوضع، ولا ما يبدل الأحوال.

أما الفئة النيرة فقد اندهشت من هول الموقف، وأنساها الذهول ماضي أسلافها وتعاليم دينها، وحسبت أن ما حصل عليه الغربي هو ذاتي له، وأن الدين وحده هو العائق عن النهوض واللحاق بركب الحضارة الأوربي.

وكان المنطق الواقعي الذي يسير تفكيرها هو أن القوة والحضارة عند الغرب، فيجب أن نقتدي به في كل الأشياء، وقد كفر الغرب فيجب أن نكفر، وإلا بقينا في الحضيض الذي نحن فيه!!

ولكن هذا المنطق غير سليم، لأنه لم يتعمق أسباب انحطاطنا ولا أسباب رقي الغرب، ولأنه لم ينظر إلا لظاهر المسلمين في إبان تقهقرهم.

إنه يحتج بجمود الجامدين على الدين وعلى تعاليمه، مع أن الإنصاف يقضي دائما بالتفرقة بين حقيقة الإسلام وبين ما عليه المسلمون، كما أن من الخطأ اعتبار أن الغرب قد كفر حين تابع طريق النهضة الاقتصادية وشايع مقتضيات الزمن، بل إنه أكثر ما يكون إيمانا بالنواميس التي أودعها الله في الكون، وهو لم يكفر بغير الجمود الذي علمته كنيسة العصور الوسطى، والذي يتنافى مع غايات الديانات السماوية جمعاء.

وهكذا وقف المسلمون - والمغاربة منهم - في مفترق الطرق، يبحثون عن الوسائل التي تعيدهم لما كانوا عليه من مجد ورفعة، وارتبك اتجاههم بين آثار الجمود ودعوة الجحود، وزادهم ارتباكا أن الغرب نفسه غير متفق في برامجه ولا في خططه، فله هو الآخر جموده متعدد الألوان والأشكال، وله هو الآخر جحوده، مختلف الأنظمة والأوضاع.

فهل من الحكمة أن نشايع الغرب في كل أموره؟ ونتابعه في خلافاته فنتفق حيث يتفق ونختلف بالنيابة عنه أيضا؟

أم الواجب يقضي علينا أن نعتبر أنفسنا أمة قائمة بنفسها، وأن ما يجمعنا مع الغرب هو أننا جميعا من عالم إنساني واحد، تسيره سنة كونية واحدة، وأنه في دائرة هذه السنن الكونية يجب أن نبحث عما نبذناه واقتبسه الغرب، فنستعيده، ونستفيد من تجارب تطبيقه، وما لم ننبذه من تعاليم السماء، فنحتفظ به وإن كفر به الغرب الراقي.

ومتى قمنا بهذا البحث، فإننا نجد الغرب قد نجح بالتطور العلمي الآلي الذي حصل عليه، وليس في الإسلام ما يعوقنا عن اتباع ذلك النهج الذي سلكه، فلنبذل كل ما في مستطاعنا إذن للحصول على ثقافة علمية متينة، وعلى مقدرة فنية قوية ثم لنعمل على تطوير اقتصادياتنا وتحريرها من عوائق الماضي وموانع الحاضر الاستعماري.

وهذا لا يتوقف على أكثر من نبذ الجمود، والرغبة في تبديل أوضاعنا وتغيير أحوالنا، واليقين في أن الدين يفرض علينا أن نتعلم كل ما في الوجود من أسرار، وأن نسخرها لصالح الإنسانية وخدمة رسالتها التي هي عمارة الأرض وازدهارها وهناءة أبنائها.

أما ما عدا ذلك من التعاليم الإسلامية، فقد احتفظنا بالاعتراف بها، فيجب أن نثبتها في نفوسنا وفي أخلاقنا، وهل هي غير اعتبار العمل فضيلة، والاحتراف خلقا كريما، والطاعة والمحبة والإخاء والعدل والإحسان والكرم والوفاء والشجاعة والمواظبة، وغير ذلك من صفات ذاتية للمسلم، يجب أن يكون باتصافه بها شهيدا على الناس ورقيبا؟

وهل يمكن لمجتمع أن ينهض إذا لم يحتفظ بهذا الصفات الإنسانية التي كان إيماننا بها في مقدمة الاستعداد الذي نشعر به لترميم ما خرب، وإعادة ما انهدم من صرح حضارتنا ومجدنا؟

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص 36

-بقية «لا جحود ولا جمود» -

إن الجمود في الدين، هو الذي أوقعنا في الهوة التي سقطنا فيها، فنبذه والعدول عنه، والكفر بآثاره كلها، في مقدمة ما يجب عمله لمن أراد أن ينهض بالمسلمين ويرفع من شأنهم.

وجحود تعاليم الدين لا يمكن أن يكون علاجا لآفاتنا، ولا دافعا للنهوض بنا من كبوتنا لأنه لن يمنحنا إلا الكفر بما بقي في نفوسنا وفي مجتمعنا من فضائل لابد منها لإنعاشنا وانبعاثنا.

لا جمود، ولا جحود، تلك هي - دعوة الحق - التي يجب أن تعم كل أوساطنا حتى نتمكن من السير إلى الأمام، ممتلئين إيمانا ويقينا، وعارفين بما نعمل وبالطريق التي نسلك.

{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [الرعد: 14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت