فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 45

الإسلام كعقيدة حققت وجودها في التاريخ الحي

الأستاذ: محمد الحمداوي

ألقت هذه المحاضرة في الأسبوع الثقافي في كل من ابن أحمد، وبني ملال، وقصبة تادلة، غير أن أسلوب ما ألقيت به معانيها على المستمعين في الخطاب، هو غير أسلوب ما ترجمت به معانيها على القراء في الكتاب.

م ح

لم يكن أحد أولئك الذين اشتروا بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا، أولئك الذين اصطبغوا بصبغة العلم ولكنهم زهدوا الناس في طلبه من قلة عملهم به، اصطبغوا بصبغة العلم ليتصدوا به المجالس، ويجمعوا به الحطام، وينالوا به الحظوة والشرف. وصدق بني الإسلام فيما وصف من حالهم حين قال: (ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب) وصدق بني الإسلام فيما أخبر عن مآلهم حين قال: (من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) وأطرف الشاعر الأندلسي فأحسن الطرفة حين وصف بعض الأصناف منهم قائلا:

أهل الرياء لبستم ناموسكم

فملكتم الدنيا بمذهب مالك

وركبتم شهب الدواب بأشهب

كالذئب أد لج في الظلام العاتم

وقسمتم الأموال بابن القاسم

وبأصبغ صبغت لكم في العالمأجل، لم يكن من هذا الصنف الذي حدثوا عن بعض أفراده أنه أدرك من الفقه والجاه ما جمع به مالا فأوعى، ولكنه حينما أدركه الموت وانكشفت له النهاية اخرج عنه الأهل والأصحاب، وغلق الباب، واخذ يلطم وجهه مرددا قول الله: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله) .

ولكنه كان عالما من علماء ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم يهدون به ويهتدون، كان أبا محمد سليمان بن مهران الأعمش عالم الكوفة، ومحدثها، وزاهدها، وعابدها، قام ذات ليلة يقرأ ما تيسر من القرآن، ويتهجد عسى أن يبعثه ربه مقاما محمودا، فمر بهذه الآية الكريمة: (شهد الله انه لا الله إلا هو والملائكة والوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الإسلام) .

وإذ هو الأعمش (علامة الإسلام) كمل وصفه يحي القطان، فلم يمر على الآية مر الذين يقرؤون القرآن لا يتجاوز حلافمهم والتراقي، وإنما وقف عندها وقوف الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، لذا خشع فلبه لما تلا لسانه ونطق قائلا: (وأنا كذلك اشهد بما شهد الله، واستودع هذه الشهادة عنده، وهي عنده سبحانه وديعة) وكرر الآية مرددا مرارا: (أن الدين عند الله الإسلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت