فهرس الكتاب

الصفحة 5243 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 ص 50

للأستاذ: عبد الله الكامل الكتاني

يتحدث الناس في كل عصر عن «مثل أعلى» للأمة في الحياة، تؤمن به، وتسعى لبلوغه وتعمل جاهدة على احترامه وتقديسه، كما يتحدثون أيضا عن «مثل عليا» خاصة أو عامة، بالأفراد وبالجماعات.

وكثيرا ما يتأثر المثل الأعلى للأمة بهذه المجموعة الخاصة أو العامة من المثل العليا للأفراد والجماعات.

ولذلك كان مفهوم المثل الأعلى من المفاهيم الواسعة الحدود التي يمكن للمتحدث أن يتحدث عنها بصيغة الإفراد، كما يمكنه أن يتحدث عنها بصيغة الجمع، دون إخلال منه بشيء من معناه.

فالمثل الأعلى إذا هو ذلك الوصف الفاضل الذي يتحراه أفراد الأمة في أعمالهم وتصرفاتهم حتى تكون مطابقة للخير، متصفة بالجمال، هادفة إلى الحق.

وهو القدوة الحسنة الموجهة للإنسان إلى التفتح على الحياة في نشاط مستمر يخلق من سكون الماضي انطلاقة محركة للهمم نحو الإبداع والوعي والتقدم في المستقبل.

وهو الهدف البعيد الأسمى والغاية العزيزة المرجوة من «الكينونة» التي تسعى إلى الحكمة والكرامة والخلود.

والإنسان المغربي ميال -بطبعه- إلى المثل كيفما كان: وصفا فاضلا أو قدوة حسنة أو هدفا بعيدا، ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التوازن التي تجعل من هذه المفاهيم الثلاثة للمثل الأعلى مفهوما واحدا مستقرا يشمل الخير والجمال والحق ويقود إلى الإبداع والوعي والتقدم ويهدف إلى الحكمة والكرامة والخلود.

فالخير عند بعض الناس في سعادته وسعادة أسرته ووطنه ما دام هذا كله يمضي في اتفاق وانسجام، وتقف أمام المشكلة وجها لوجه حينما تتعارض المصلحة الذاتية مع مصالح الأسرة، أو مصالح الذات والأسرة مع مصالح الوطن، عندها لا نجد للرأي العام المغربي موقفا موحدا يدفع الناس إليه دفعا ويقرون عليه قرا.

والخير كذلك عندنا هو الأخلاق والفضيلة والشرف النفسي والسمو الروحي والتحابب الاجتماعي، وكراهية الانحلال والرذيلة والفاحشة والانحطاط والنفاق الاجتماعي، غير أن هنالك عقبات وصعوبات كثيرة تبعثنا -في بعض الأحيان- على تفضيل جانب الرذيلة على الفضيلة، والنفاق الاجتماعي على التحابب الاجتماعي، لأن ذلك قد أصبح من قواعد «المحيط» وعادات «الجو» ، بحيث أصبحنا أمام «قسر فاسد» يوجهنا إلى حيث يريد: مع أن الفضيلة والتناصح والخير كلها أوصاف تهوي إليها أفئدة الناس في كل مكان في هذا المغرب الحبيب.

والجمال في مفهومه الإنساني والمغربي نفور من القبح المعنوي وتعلق بالحسن المطلق في كل شيء: في عناق الموجة الغاضبة من موجات الأطلسي للشاطئ الغربي من بلادنا، في الأشعة الأرجوانية الحمراء المنبسطة في الأفق عند التقاء البحرين، وفي ريفنا الخالد، في أطلسنا العالي ذي القمة الدائمة البياض وعند السفوح الزهرية الفواحة، في غابتنا المعمورة، في سوسنا الأسمر، في طبيعتنا الغناء هناك الجمال الأنيق والحسن الأخاذ، حيث ينثر نور الشمس حبات من ذهب، وتهمي السماء بقطرات من رحيق زلال، هناك تجد حقا جمال بلادك الذي لا يجده آخرون في بلادهم فيرحلون إليه يبحثون عنه في جنيف ولوزان وفيينا وسالزبورغ والبندقية، وفي غير ما بلاد جميلة من بلدان أوربا وأمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت