فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 ص 99
قصة العدد: الخبز
بقلم عبد الجبار السحيمي
«محمود البواب» رجل في الخامسة والأربعين من عمره كما حدثني منذ قريب، وهو يقضي يومه بباب العمارة يقلب بين يديه جريدة قديمة لم ترد أن تتغير، كما لم يتغير جلبابه الرمادي القصير، عرفته منذ سنتين، عندما دق على الباب ليقول:
-أنت الساكن الجديد؟
-نعم
فابتسم قائلا: وهل أنت أعزب؟
وأجبته في استياء: نعم
واتسعت ابتسامته، ثم رفع حاجبيه الغليظين وهو يقول: إنني بواب العمارة، وأرجو أن تعرف أن بجوارك عائلات كريمة لا تقبل بعض أعمال العزاب أمثالك، ثم إن صوت الراديو المنطلق من شقتك يزعجنا ..
وتركني رافعا إلى رأسه في شكل تحية عسكرية، وعندما أطفأت جهاز الراديو في عنف، كنت مغتاظا من العمارة وسكانها وبوابها.
وانتهى أسبوع قبل أن أرى «عم محمود» من جديد، التقيت به هذه المرة بباب العمارة، ومررت به دون أن أحييه، ولكنه استوقفني قائلا:
-هناك رسالة في اسمك.
وأخرج رسالة من «قب» جلبابه، ناولني إياها وهو يقول: هل تعمل بالليل؟
-نعم، وأنام بالنهار. قلتها في جفاف ..
-هكذا تصورتك أول مرة رأيتك، أنك رجل يا أخي، ولا يضير الرجال نوع العمل وأوقاته.
واخرج من «القب» سيجارة أشعلها، ثم قال وهو محتفظ بعود الثقاب بين أصابعه:
-هل أقلقتك يوم طلبت منك مراعاة هدوء الجيران؟
-لا، أبدا ..
-هذا لا يهم، إنني بلغتك أمر السكان وكفى ..
ورمى بعود الثقاب في قوة رفع يديه إلى رأسه في شكل تحية عسكرية مخبرا أن الحديث قد انتهى.
بعد ذلك وجدت رباطا من الصداقة يربطني «بعم محمود» البواب، وأصبحت أقضي معه بعض الوقت كل يوم في أحاديث لا تنتهي أبدا.
وقد وجدته رجلا خبر الحياة .. حياة الدروب المتسخة والأحياء المنسية في «قاع» المدينة، كما وجدته يحمل أفكارا أكبر منه، لعلها بعض الصدى الذي يصل الرجل الشعبي عادة من أحاديث الناس والإذاعات والصحف.