فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 36
أبحاث ومقالات: قيمة الوضوح في أساليب الفلاسفة وأهل العلم والأدب
للأستاذ: محمد كاظم سباق
ان قرأت لكاتب شيئا اختلط عليك معناه والتبس مفهومه فالأمر لا يخلو من إحدى ثلاث: أن الكاتب فلسفي النزعة عالي التفكير، فهو يكتب للخاصة ولا يعبأ بإيضاح كلامه للعامة -فغموضه عن تهاون، أو أنه ضعيف الملكة ناقص الأداة، يدور حول فكرته ولا يوضحها، ويحاول قيد خياله الآبد ولا يستطيع -فغموضه عن عجز، أو هو من المعجبين بالرمز. الزاعمين خطا ان أعلى مراتب الكلام أن يجل عن فهم الجمهور، فهو يعقد كلامه ابتغاء العمق، ويعمي خياله قصد السمو- فغموضه عن عمد!
ويدل النظر في كلام طوائف الكتاب من العلماء والأدباء على أن أكثر أهل القلم غموضا هم الفلاسفة. وقل منهم من كتب شيئا يفهمه القارئ الوسط، وأكثر كتب الفلسفة ان نظرت فيها وجدتها مغلقة مستعجمة، والسبب في ذلك، ان تأملت، ليس مقصورا على أن الفلسفة تعالج ما يعد الطبيعة وما شاكله من المواضيع الفنية الصعبة، بل هو راجع أيضا إلى أن معظم الكتب في موضوع الفلسفة قد صنعت بأسلوب مرتبك غامض ينفر منه المبتدئ، وقد قيل أنه لم يأت أحد بعد أفلاطون (347 قبل المسيح) بكلام يمتاز بالإبانة والوضوح في فلسفة الحكم إلا روسو الفرنسي (1778م) ، أما هذه الفترة الطويلة بينهما فلا يوجد فيها من فلاسفة الحكم من يبلغ شأوهما في البيان، وقد يحتج الفلاسفة بأنهم لا يكتبون لعامة القراء وإنما يكون مخاطبهم أهل العلم وذوي الفكر والرأي، لذلك هم في سعة من العذر إذا لم يعنوا بتهذيب كلامهم إيضاحا للمقصود، ولكن أصحاب هذا الرأي ينسبون أن الفلاسفة ما زالوا يقفون من الناس موقف الهداة والمصلحين، وأن المجتمع الذي لا يكون بيده أصول مجمع عليها في شؤون الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد يكون فيه من واجب الفلسفة وحدها أن ترشد الفكر الإنساني، ولكن أي غناء يمكن أن يغني الفلاسفة في هذا الإرشاد مادامت تهابهم الدنيا ولا تتوجه إليهم لغموضهم، وبحق نصح الويكونت سموئيل (1) لفلاسفة هذا العصر في خطبته الرئيسية التي ألقاها على المؤسسة الفلسفية البريطانية أن ينزلوا عن علوهم الفكري إلى حيث يستطيع أن يفهمهم الجمهور، وألا يكتبوا بأسلوب يقال له: «الفلسفة بعرق القربة» ، وقد رأى الويكونت أن الفلسفة إذا شعرت بأهمية الأسلوب كما فعلت على عهد أفلاطون، استردت ولا شك بعض النفوذ الذي كان لها بين اليونان، وأخرجت الدنيا الحاضرة من فوضى الفكر والرأي إلى الاستقرار والنظام.
فالفلاسفة كما رأيت أصحاب الطائفة الأولى التي لا تعني بإيضاح كلامها وهي قادرة عليه.
يأتي بعدها الطائفة الثانية التي يمثلها ناشئة الكتاب والأدباء بين طالب في الجامعة وكاتب في القسم ومحرر في الجريدة، وهؤلاء لكونهم في عهد التمرن بعد، تضعف ملكتهم البيانية فكثيرا ما يأتون بأفكار مضطربة في كلمات لا تبين وهم في أكثر الأحيان يركبون العجل، فيحاولون تدوين الفكرة قبل أن يعالجوها في أذهانهم حتى تنضج، فإذا خرجت فجة مستبهمة عادوا يبسطونها بكلام مسهب لا يزيد الفكرة إلا تعقدا، وما من كاتب أو شاعر أو أديب إلا وقد جاز هذه المرحلة في عنفوان حياته الأدبية، وقد أتى عليه حين من الدهر كان يعجب بكل ما يخطر في نفسه من خاطرة، فيقيدها كما هي ويظن أنها من أبلغ ما يقال في الموضوع،