فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا قلم الحمرة بيد الأستاذ أو بيد رئيس التحرير يكذب ظنه ويحد من أمله الواثب حدا.
أما الطائفة الثالثة الأخيرة فلم نعرف لها في تاريخ أدبنا الماضي إلا أفرادا وآحادا، وإنما طلع علينا بها في صورة طائفة هذا الزمن الأخير، وأنت إن تصفحت أرقى مجلات الأدب والفن اليوم فلا يفوتك آثار أدبية إذا وقفت أمامها، راقك العنوان وراعك الموضوع وأعجبك حسن الطبع والإخراج، ولكنك متى دخلت في مطالعتها، فإذا أنت بعد قطعتين أو ثلاث منها في بيداء ضلال لا تدري أين المخرج منها، تكاد لا تعرف ماذا يريد الكاتب أن يقول، وأي ارتباط منطقي يوجد بين جملة وأخرى، وبأي معان شاذة وردت أكثر الكلمات التي لها في اللغة معان أخرى لا تلائم هذا المقام.
هذه بدعة أدبية قد ابتلينا بها في يومنا هذا، وكما أن أصحاب البدع في الدين ما زالوا يقنعون الناس بأن ما ابتدعوه من الطرق والعادات والتقاليد هي الأصل في الدين، كذلك جاءت هذه الطائفة توهم الناس أن الغموض في الكلام عبارة عن الدقة والعمق، وهما كمال الفن، وإذا تحدى أحدهم ناقد بصير أن كلامه بلا معنى وأنه لا يستطيع أن يفسره حضرة الكاتب نفسه، هز كتفيه كمن لا يبالي بأمر وقال: على الكاتب أن يكتب، وعلى القارئ أن يفهم أو يتأول، مثل هذا الرأي أبدى الشاعر الانكليزي المشهور ت-س ايلات (12) حين قابله بعض النقاد عقد ظهور مسرحيته (دعوة الخمر) لأول مرة بايد نبرا، وقد وجدت المسرحية منطبعة بطابع الدقة والغموض، فقال الشاعر: ان الكاتب لا إلزام عليه أن يكون واضحا في كل حال وإنما هو يعرض أفكاره وأحاسيسه على الناس، وللناس أن يفسروها ويستخرجوا منها المعاني حسب ذكائهم، كأني بأصحاب هذه الطائفة يظنون أن نتاج كل كاتب منهم يكون (حاملا) بالمعاني أبدا، يجب على القارئ أن يقعد منه مقعد القابلة ليستخرج منه الجنين.
ولم يمض كثير من الأيام على أني مررت في مجلة أدب عال تصدر من بعض مراكز الثقافة والأدب العربي بقطعة أدبية هي كالشعر الوجداني غير الموزون. بعنوان (كأس) فاستوقفني العنوان وشوقني مظهر القطعة في زاوية من صدر المجلة إلى أن أمتع بها نفسي، فإذا كان الكاتب الأديب يقول:
هنا في قعر كأسي رؤى لا تنضب، رؤى يحيلها فراغ الكأس، أحيانا، مأثم شفافة تعول فيها غضات من زمن مبتور، وتعربد حولها بقايا صلوات مجت التحنط ثم الالتصاق بجدران هياكل داب لبناتها التثاؤب والتغامز، غير أن في الأنفاس الشاردة التي تطوف في فراغ كأسي تطواف محموم ... ضحات لاهبة تذيب أمسي الذي كنته وغدي الذي أحياه الآن ويومي الذي ما زال يتسكع الظلمة بقدم واحدة وبنصف عين، تذيب هذا الكل في صيغوغة من جمال نضاح بألف لون ولون، فأصبح وكأني والقعر والأمس والغد رشفة صادرة لحلم لا يعرف الفجر وليقظة لاتفقه اليقظة.
قرأت القطعة مرة وثانية وثالثة واقفا عند كل كلمة من كلماتها وفي خاتمة كل جملة من جملها لعلي أجد منها المنفذ إلى دنيا الكاتب الأديب فأحلق معه في سماء الشعر والخيال، ولكني أشهد أني لم أوفق، وإذا جاز أن أعد قارئا من الطراز الوسط قد قرأ في أدب اللغتين: العربية والانكليزية ما ان لم يكثر لم يقل فتتساءل النفس: من ذا الذي كتب له الكاتب الفاضل هذه القطعة الأدبية إذا لم يكتب لي؟ النفر من قراء الطبقة العليا؟ أو لنفسه هو دون سواه؟
على أن (كأس) موضوع شعري واسع الأفق، قد يبدع فيه الفنان ويبتكر آيات من حسه وخياله، فإن قرأت تحت هذا العنوان قطعة نثر هي في انبهامها وظلمة جوها كقطعة شعر وجداني، فللكاتب بعض العذر، ولكن ماذا يقول المرء دفاعا عن كاتب يكتب في موضوع علمي فتي كاللغة المثالية للقصة العربية المعاصرة ويأتي بمثل الكلام الآتي مترجما عن الفرنسية:
إن قانون الفن الحق الذي لا سبيل إلى مخالفته، هو أن يستمد الفنان من الطبيعة ولكن شريطة أن ينتخب ويختار التفاصيل الأساسية ويكسبها وجها جديدا ويجمعها «ويبنيها» وفق إيقاع بديهي وأن يوحي واقعا ايحاء أشد تعبيرا وأعظم توترا من الواقع الطبيعي، ان الفن ليس هو الحياة، وليس هو صورة دقيقة عن الحياة، ان مهمته أن «يعيد الحياة» أن يؤلفها من جديد، أن يحملها نزعة شاعرية ما، أن الفن يتغذى من الحياة ليخلق شيئا آخر، هو «الاثر» ، وأن الأثر لا يتم عن غير اختيار، وتضحيات وتجارب وجهود من غير انقطاع سابق عن الحياة يتموضع الفنان بفضله في