فهرس الكتاب

الصفحة 3584 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع1 /أكتوبر 1961 ص 22

الأسس السليمة لبناء حياة فكرية في المغرب

للأستاذ: جعفر الطيار الكتاني

توصف الحياة الفكرية في المغرب بأنها في ركود، وهو وصف من صحفنا السيارة أو الدورية في غير محله، إذ الركود صفة لا تنطبق على واد لم يجر الماء فيه. والواقع أن شؤون الفكر في المغرب قاحلة ويباب.

وإذا كان يسهل الحكم من بعض المشتغلين بشؤون الفكر، على فترة ما قبل الاستقلال، بأنها كانت فترة خصب أنتج شعراء وكتابا، فإن تلك الفترة في واقع الأمر، ليست سوى علامة النهاية لمرحلة المراهقة في المجال الفكري الحق داخل بلادنا، ولم تكن نضجا لا في الوسيلة ولا في المضمون، وأعلام تلك الفترة بالنسبة لسائر فترات الأدب ببلادنا، هم كيف ما كان الأمر، طليعة الكفاح الثقافي والاجتماعي، وقد أدوا مهمتهم خير أداء بالقياس إلى إمكانياتهم، فردوا مجتمعنا الحديث إلى مرحلة بداية الرجولة من حياتنا، واختفوا هم، لا عجزا ولا خوفا، وإنما انتهاء لم يكن لهم محيد عنه، بحكم الطاقة التي مكنوها.

ولم يكن بد من أن تغرف ظروف الفكر في بلادنا من إمكان استمراره، لتغدق على ظروف الحياة السياسية والإدارية التي دبت فيها الحياة بعد الاستقلال، ذلك أن الذين كانوا يستخدمون القلم للتعبير عن خواطرهم أو أفكارهم، أصبحوا يستخدمونه لأداء الثقل الإداري، والذين كانوا يفكرون، أصبحوا يتكلمون، ومعنى ذلك باختصار: انتهاء مرحلة المراهقة في الحياة الفكرية ببلادنا، وبداية البداءة من مرحلة الرجولة منها، وتلك فترة، لو قلت عنها أكثر من ذلك، لخفت من الأدب أن يرحل عنا إلى الأبد، ولا أحسب الذين يحسنون الظن من كتابنا، فيصفون ظروف الأدب الحالية ببلادنا بالركود إلا أنهم يتخيلون للفترة الحالية من يصفها بحق، لقال عنها: إنها فترة إنشاء الدولة، ولم الشعث، والاستشعار بالذاتية، وهي فترة تعكس رد فعل نفسي عنيف، أحدثه الانتقال من طور المراهقة إلى بداية الرجولة، وفي هذا الطور، من الرجات الخلقية والسياسية والعقيدية ما لا يسمح إلا بالرغبة في الاستقرار، والأدب إذا كان في رأي بعضهم ناتج عن الألم والأمل، فإن مكان الشعور بالألم أو بالأمل، لا يتأتى إلا بعد شيء من الاستقرار، ولم أقل من الطمأنينة، إذ الطمأنينة قد تأتي بالبطنة وكثرة النسل، ولكنها لن تأتي أبدا بشاعر أو كاتب.

إذن، فالأدب عندنا - أو الحياة الفكرية- ليس في ركود، والذين منا يشتغلون بالأدب ليسوا عقيمين، لأننا لم نلقح بعد، حتى يجوز أن يحكم على نتاجنا، والذي يحدث الآن، أننا في طور الإعداد للخلق.

ولكن ماذا أعددنا لهذا الطور؟

ماذا أعددنا في هذه المرحلة الانتقالية من مراحل حياة الفكر في بلادنا؟.

هؤلاء الذين كان المفروض فيهم أن يتلقفوا القلم من أولئك، قلنا عنهم: بأنهم أعطوه في مرحلة دقيقة من حياتنا السياسية كدولة حديثة العهد، وبأنهم لما يشعروا بالاستقرار كي ينتجوا، فهم تبعا لذلك، ليسوا مسؤولين عن نمو الأدب وشؤون الفكر في ظروفهم الراهنة، فهل المسؤولون بيننا عن التربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت