فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص 33

صلاح الدين الأيوبي ويعقوب المنصور

للأستاذ: عبد القادر الصحراوي

لقد مر بنا جميعا في قراءاتنا التاريخية، عن الحروب الصليبية، أو عن عصر صلاح الدين الأيوبي بالذات، أو عن حياة الملك المغربي الموحدي، يعقوب المنصور أن صلاح الدين الأيوبي في غمرة الحروب الصليبية، وعندما كان محاصرا للإفرنج الذين كانوا محاصرين للمسلمين في عكا، فكر في أن يستنجد بالملك المغربي يعقوب المنصور، وأنه بعث إليه بالفعل وفدا يطلب منه أن يمده ببعض قطع أسطوله البحري، فقد كان للمنصور أسطول بحري هائل، على حين كان المسلمون عموما في الشرق يشكون من ضعف قوتهم البحرية، الأمر الذي لم يكونوا يستطيعون معه أن يقفوا في وجه هذا الزحف البحري الهائل، المتوالي على الشرق الإسلامي من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها من الدول الأوربية.

ومر بنا أيضا في قراءاتنا التاريخية أن الملك المغربي يعقوب المنصور، لم يستجب لرغبة صلاح الدين، ولم يبعث إليه أسطولا، ولم يحرك من أجله ولا من أجل المسلمين جميعا في الشرق ساكنا، وذلك لسبب واحد اتفق عليه جميع المؤرخين الذين أوردوا قصة هذا الاستنجاد، ذلك السبب هو أن صلاح الدين لم يخاطب يعقوب المنصور بلقب: أمير المؤمنين.

لم يرد ذكر لقصة هذا الاستنجاد في كتاب المعجب لعبد الواحد المراكشي الذي كان معاصرا لدولة الموحدين، وإنما ورد ذكرها في هامش الطبعة الأخيرة منه، طبعة مصر عام 1949، وقد ورد في هذا الهامش ما نصه:

«قال أهل التاريخ: وفي بعض هذه الحملات أحس صلاح الدين الأيوبي صاحب عرش مصر والشام بحاجته إلى معونة المسلمين في المشرق والمغرب على رد عادية الصليبيين على بلاده، فأرسل الرسل والكتب إلى أمراء المسلمين هنا وهناك، وكان فيمن أرسل إليه صاحب عرش المغرب والأندلس من أمراء الموحدين -يعني يعقوب المنصور- وسماه فيما كتب إليه أمير المسلمين، قالوا: فغضب ملك مراكش إذ لم يسمه صلاح الدين، أمير المؤمنين، ولم يستجب لندائه» .

وجاء بعد عبد الواحد المراكشي مؤرخ مغربي آخر، هو ابن خلدون، الذي أورد القصة وإن كان لم يعللها، فقال في معرض الحديث عن الرسول الذي أرسله صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، قال:

«وبعثه إلى المنصور بهدية، ووصل إلى المغرب، ووجد المنصور بالأندلس، فانتظره بفاس إلى حين وصوله، فلقيه وأدى الرسالة، فاعتذر له عن الأسطول»

ثم جاء صاحب الاستقصا، فأورد القصة بتعليلها التاريخي المعروف، فقال:

«ولما وقف عليه المنصور -أي لما وقف المنصور على كتاب صلاح الدين- ورأى تجافيهم فيه عن خطابه بأمير المؤمنين، لم يعجبه ذلك، وأسرها في نفسه، وحمل الرسول على مناهج البر والكرامة، ورده إلى مرسله، ولم يجبه إلى حاجته» .

ثم ننتقل من المؤرخين المغاربة إلى غيرهم، فنجد أن المؤرخين الذين أوردوا هذه الحادثة إلا قليلا منهم، أوردوها تقريبا بنفس الأسلوب الذي وردت به في كتب المؤرخين المغاربة، من غير محاولة لتحقيقها، أو للبحث عن أسباب أكثر معقولية، لتقاعس المنصور في موطن لم يكن يظن فيه من مثله أن يقف مثل هذا الموقف السلبي، وفي حرب كهذه، سواء اعتبرناها حربا دينية، كما يوحى بذلك اسمها، وكما عرفت بذلك في التاريخ، أو حربا عدوانية توسعية استعمارية كما قد يبدو لنا بعد حين.

وهذا أبو شامة المقدسي، مثلا، في كتابه (الروضتين في أخبار الدولتين) في الجزء الثاني الذي خصصه للحديث عن حياة صلاح الدين الأيوبي، يقول عند ذكر قصة هذا الاستنجاد ما نصه:

«لم يحصل من جهة سلطان المغرب ما التمس منه من النجدة، وبلغني أنه عز عليهم كونه لم يخاطب بأمير المؤمنين، على جاري عادتهم» .

حتى المؤرخون المحدثون، المنهجيون، لم يزيدوا شيئا على ما ورد في الكتب القديمة، فهؤلاء الأساتذة الدكتور فليب حتي، والدكتور إدوارد جرجي، والدكتور جبرائيل جبور، في كتابهم المطول: تاريخ العرب، يقولون في معرض الحديث عن يعقوب المنصور:

«وهو الذي استنفره صلاح الدين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت