فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص22

للأستاذ: عبد الكريم التواتي

... قبل أن نواصل في بحثنا ارتياد معالم الأطر العامة لخطوط الضمان الاجتماعي الكبرى في الإسلام، تلك الخطوط التي قلنا إنها تتجسم - في الدين الإسلامي - في نظام الزكاة بمعناها الواسع، وقبل أن نحاول مقارنة هذه الخطوط بأقصى ما حققته الأنظمة الحديثة في هذه الميادين من مشاريع وقوانين، نرى لزاما علينا أن نلقي نظرة عامة عميقة على الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه المال في نظر الأوصياء على المجتمع المتكامل الذي ينشده الإسلام، ما دام المال هو وحده أس جميع الاتجاهات الاقتصادية لسكان عالمنا الأرضي، وأم كل المشاكل الاجتماعية منذ بدء خليقتهم إلى الآن، وذلك لنعرف إلى أي مدى يمكن أن يؤثر في تكييف هذا المجتمع وتوجيهه الوجهة النافعة الصالحة التي ظلت أبدا - في نظر الإسلام - هي العمل على رفع مستوى البشرية ماديا وروحيا، وإنما يدعونا إلى دراسة هذه النقطة منذ البداية الاعتقاد الجازم بأن جميع المشاكل التي تعترض الأنظمة الاقتصادية أو اعترضتها أو سوف تعترضها هي ناشئة أولا وقبل كل شيء عن:

أولا: الجهل بالدور الحقيقي الذي يجب أن يعطى للمال استثمارا أو اقتناء في جميع معاملاتنا أفرادا وجماعات.

وثانيا: عدم تحديد القيمة المجردة التي يجب أن تستقر في أذهان الناس عن نفس المال ودوره ذاك.

وثالثا وأخيرا: عدم معرفة الاتجاهات الأصلية التي تجب مراعاتها عند دراسة المال كقضية إنسانية ذات قيمة روحية ومدى تأثيرها في تطوير وتكييف المجتمع الإنساني المثالي وعلاقة أفراده بعضهم بالبعض.

وما لم تدرس علاقة المال بالأفراد والمجتمعات انفرادا واجتماعا دراسة متقنة عميقة، وما لم يعد النظر في أنظمة الاقتصاد المالي العالمي على أسس الفكرة الإسلامية المبنية على اعتبار العالم وسكانه وحدة واحدة لا قيمة فيها للفرد إلا باعتباره خلية من مجموع، ولا عبرة فيها بالجماعة إلا من حيث أنها ضمان قوي لمصالح الأفراد العليا في دائرة المحافظة على حقوق وحرية ومصالح الجميع، وما لم تستلهم في هذه الدراسات التوجيهات الإلاهية التي وضعت منذ البداية لمصلحة وخير البشرية فقط، وما لم يتشبع القائمون على مصائر الاقتصاد في كل أمة بأن أية محاولة لوضع اقتصاديات أمة ما على فكرة القوميات الضيقة إنما هي مؤدية حتما إلى جعل الميزان الاقتصادي فيها متأرجحا مضطربا إذا هو لم يسر في غير صالحها تماما، وما لم يتشبعوا أيضا بأن قوى الخير في عموم العالم إنما تنبع من معين واحد هو الإيمان العميق بمبدع الوجود، وتتخذ طريقا واحدا هو الكفاح المتواصل المجيد من أجل التقريب بين جميع عناصر هذه القوى، لتصل في النهاية إلى غاية واحدة هي الانتصار على قوى الشر انتصارا رائعا باهرا يطمئن البشرية على مصيرها .. ما لم يتحقق كل ذلك فإن جميع النظم الاقتصادية التي يمكن أن تخترع، وجميع ما قد يتفرع عنها من مشاريع ضخمة أو تافهة، ستظل ناقصة التأثير إن لم تكن عديمته ولو على الأقل فيما يخص الفوائد التي كان من المقدر أن تعود بالنفع على العالم الذي نؤكد في يقين أن الإسلام لا يسمح البتة أن ينظر إلى وحداته وأممه وشعوبه إلا كخلايا متعددة متنوعة صورة وشكلا فحسب، أما مدلولا ومضمونا فهو خلية واحدة متماسكة متداخلة لا تنفصم عراها ولا تتعارض مصالحها ولا تتضارب اتجاهاتها مهما حاول الانتفاعيون والانتهازيون أن يجعلوا منه عديدا من الأمم وشتيتا من الدول، مؤكدين - تدفعهم أنانيتهم الخاطئة الكاذبة - اختلاف مصالحها وتباين أغراضها بناء على ما اخترعه خيالهم المجنح من أوهام حاولوا أن يضفوا عليها بريقا من العلم الزائف، أملا في جذب ضعفاء الإيمان وقاصري الفكر إلى محيطهم الضيق الذي يتنافى وأفق العلم الحقيقي الواسع العريض ... وبعد، فما هو دور المال في اقتصاديات المجتمع الإسلامي؟

... أولا: يقرر أن المال مال الله ?وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ? [النور: 33] ?وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ 7? [الحديد: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت