فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 ص 17
للأستاذ: جمال بعدادي القادري
لقد كان للمسجد دور هام في التثقيف التربوي حينما كان المدرسة الأولى التي أعدت المسلم للمجتمع الكبير، أعدته وهو صغير السن فقدمت له التدريب الأول لتعلم القراءة والكتابة، وهيأته بعد ذلك لتذوق الأدب، والتضلع في المواد الفلسفية كالمنطق والتوحيد والإحاطة بالعلوم الفقهية والشرعية، ومن يطلع على تاريخ التربية في الإسلام يجد المسجد المنارة التي حملت مشعل الثقافة جيلا بعد جيل.
وللمسجد أثر في تركيز الشخصية الأخلاقية حسب تعاليم الإسلام الخالدة، فلولاه لما استقر ذلك السلوك الأخلاقي الذي تميزت معالمه وأصبح مظهرا لشخصية المسلم أينما حل، وقد حصل هذا بفضل الدور الفعال للمسجد حينما كان الخطيب كل جمعة يلقي على الناس وجوب ربط الإيمان بالعمل، وإن السلوك الأخلاقي ركن ركين في التوحيد.
ولا يقل دور المسجد في التدريب الاجتماعي عما سلف، حيث أن المسجد كان النادي والمجمع الذي كانت تأوى إليه الناس فتتعارف وتتحابب ويطلع البعض على شؤون الآخرين مما أدى إلى أحكام الروابط والصلات بين الناس.
كل هذه الوظائف العامة والخاصة للمسجد علمت من قبل ويعرفها الخاص والعام بعد أن تطرق إليها الكتاب والمفكرون قديما وحديثا، ولكن ما لم ينتبه إليه إلا النزر القليل هو ما للمسجد من أثر فعال على نفس المصلي وعلى نفسية وأعماق شعور المسلم وهو يستمع إلى الذكر الحكيم أو إلى خطبة الخطيب في ذلك الجو الجليل الذي لا يتوفر إلا في تلك اللحظات التي يلجأ إليها المؤمن ليؤدي شعائر الصلاة يوك الجمعة أو فيما عداه من الأيام .. وأن هذا الاتصال الإنساني في حاجة اليوم إلى مزيد من العلم وإلى استعداد ثقافي خاص لا يقوم فقط على المعرفة اللفظية، أو التاريخية، أو السياسية أو الدينية، وإنما على دراية بالنفس البشرية، هذا الاتصال الإنساني ينحدر من أعلى المنبر لينفذ إلى أنفس المصلين فيهزهم من أعماقهم إن كان قولا مؤثرا أو لا يكاد يتعدى الآذان إن كان مجرد كلام يقال.
وإذا كانت المدرسة مصنع الأفكار والعقول فالمسجد مصنع الأرواح والأنفس أيضا، يطببها ويضمد جراحها فينزل عنها الصدأ ويعيد لها شبابها وحيويتها كانت وظيفة المسجد فيما مضى أعداد الجيل المسلم وقد حافظت جوامع الأزهر والزيتون والقرويين ـ إلى عهد قريب ـ على نمطية هذه الأعداد داخل المساجد، أما اليوم فقد انتزعت المدرسة الحديثة من المسجد تلك الوظيفة التعليمية مبقية له جانب روحيا محضا ولكنه لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى وهو يتمثل في خطبة الجمعة وفي دروس الوعظ والإرشاد، وأحسب أن القاصدين إلى المسجد اليوم في حاجة إلى ثقافة وعلم يختلف بعض الاختلاف عما يتلقاه في المجتمع الفسيح عن طريق المدرسة أو المجلة أو الإذاعة أو الشاشة، إن المؤمن اليوم في حاجة إلى كلام ينفذ إلى القلب، إلى عبر تهز المشاعر، وأغلب القاصدين إلى المسجد أتعبتهم مشاكل الدنيا فقدموا إلى المسجد طلبا للشفاء، تماما كمن يقصد في أيامنا في العواصم الكبرى العيادة النفسية بغية الشفاء النفسي، وما أشبه هذا الحال بذلك بل ما أقرب الصورة بين مريض يمتد على سرير المحلل النفسي وكله عزم على تنفيذ ما سيسمع وبين