فهرس الكتاب

الصفحة 4641 من 5287

إذا كان كل من هؤلاء يشعر بالمسؤولية نحو غيره من أبناء المجتمع الشعور الفعال الذي يتجه به لمجتمع كبير إلى أن يكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ..

وسأكتفي بإيراد موقفين عظيمين من مواقف العلماء يبينان مبلغ ما كان السلف يشعرون به من مسؤولية تجاه المجتمع الكبير.

روى التاريخ أن الأمام الأوزاعي رضي الله عنه لم يخش من الخليفة العباسي عند ما سأله: «ما ترى فيما صنعت من إزالة أولئك الظلمة (يعني الأمويين) عن البلاد والعباد؟ أجهاد هو أم لا» فقال له الأوزاعي «إنما الأعمال بالنيات» . فضرب الخليفة الأرض بخيزرانته ثم رفع رأسه وقال: «يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟» . فأورد له الأوزاغي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . فضرب الخليفة الأرض بالخيزرانة أشد من الأول ثم قال: «يا أوزاعي ما تقول في أموالهم أحلال هي أم حرام؟"فقال:"إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي» .

ومن أروع أمثلة الجرأة في حمل المسؤولية ضد الباطل، والخضوع للحق، ما روي عن العالم الكبير أبي منذر بن سعيد البلوطي والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر لدين الله. فقد أقبل الخليفة على بناء «الزهراء» وأشرف عليها بنفسه حتى شغله ذلك عن شهود ثلاث جمع متواليات. فاشتد ذلك على القاضي أبي المنذر، وهو خطيب المسجد، ورأى لزاما عليه أن يخرج نفسه من إثم التقصير فيما أوجب الله على العلماء من الصدع بأمر الله والنصيحة للناس. وذات مرة علم أن الخليفة سيشهد الجمعة فأعد خطبة بليغة واعتلى المنبر والخليفة حاضر، والمسجد عامر بالمصلين وابتدأ خطبته بقوله تعالى في سورة الشعراٍء: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلذون؟ وإذا بطشتم بطشتم جبارين .. إلى قوله تعالى .. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين .. » ثم مضى وتلا قوله تعالى بعد كلام مسهب بليغ: «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟» وعلم الخليفة أنه المقصود فبكى وندم على تفريطه، ولكنه مع ذلك غضب لغلط التقريع الذي وجهه الخطيب إليه فقال لولده بعد خروجه: «والله يا بني ما عنى بهذه الخطبة غيري .. ولقد كاد يقر عني بعصاه» . فقال له ابنه: «فما الذي يمنعك من عزله عن الخطابة والقضاء؟» فقال له الخليفة: «ويحك يا بني!! أمثل ابن سعيد في فضله وعلمه أعزله لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟! هذا ما لا يكون أبدا ..

هذا الموقف العظيم من الطرفين في تحمل المسؤولية الشخصية، والجرأة في الحق والخضوع له، غيض من فيض وافر من الأخبار المأثورة عن مبلغ تقدير الأولين لمسؤوليتهم الفردية نحو الآخرين. حتى روي عن عمر بن عبد العزيز أن زوجته جاءته ذات ليلة بعد أن قام ليله وأصبح صائما فقالت له: «يا أمير المؤمنين لشد ما كان منك ما رأيت الليلة؟» فقال: «أجل إني قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها، فذكرت الغريب الضائع والفقير المحتاج، والأسير المقهور، فعلمت أن الله تعالى سألني عنهم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي مع محمد حجة فخفت على نفسي. ثم قالت: والله إن كان عمر ليكون في المكان الذي ينتهي إليه سرور الرجل مع أهله، فيذكر الشيء من أمر الله فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع في الماء، ثم يرتفع بكاؤه حتى أطرح اللحاف عني وعنه. ثم يقول والله لوددت لو كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد ما بين المشرقين.

أيها القارئ الكريم:

تلك هي مسؤوليتك نحو نفسك وأسرتك ومجتمعك ودولتك .. وهذه أماثيل قليلة من تحمل أفراد السلف الصالح لمسؤوليتهم الشخصية تجاه البلاد والعباد. وهذه وتلك كافية كما اعتقد لأن تحملك على الأقل أن تسهر على كفاءاتك ومؤهلاتك لتفيد منها جميعها مجتمعك الصغير والكبير الفائدة التي لابد منها لتكون عنصرا فعالا وعضوا منتجا خيرا وركنا قويا والله الموقف لما فيه الخير.

الشيخ حسن خالد

قاضي عكا الشرعي

إذا كان كل من هؤلاء يشعر بالمسؤولية نحو غيره من أبناء المجتمع الشعور الفعال الذي يتجه به لمجتمع كبير إلى أن يكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ..

وسأكتفي بإيراد موقفين عظيمين من مواقف العلماء يبينان مبلغ ما كان السلف يشعرون به من مسؤولية تجاه المجتمع الكبير.

روى التاريخ أن الأمام الأوزاعي رضي الله عنه لم يخش من الخليفة العباسي عند ما سأله: «ما ترى فيما صنعت من إزالة أولئك الظلمة (يعني الأمويين) عن البلاد والعباد؟ أجهاد هو أم لا» فقال له الأوزاعي «إنما الأعمال بالنيات» . فضرب الخليفة الأرض بخيزرانته ثم رفع رأسه وقال: «يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟» . فأورد له الأوزاغي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . فضرب الخليفة الأرض بالخيزرانة أشد من الأول ثم قال: «يا أوزاعي ما تقول في أموالهم أحلال هي أم حرام؟"فقال:"إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي» .

ومن أروع أمثلة الجرأة في حمل المسؤولية ضد الباطل، والخضوع للحق، ما روي عن العالم الكبير أبي منذر بن سعيد البلوطي والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر لدين الله. فقد أقبل الخليفة على بناء «الزهراء» وأشرف عليها بنفسه حتى شغله ذلك عن شهود ثلاث جمع متواليات. فاشتد ذلك على القاضي أبي المنذر، وهو خطيب المسجد، ورأى لزاما عليه أن يخرج نفسه من إثم التقصير فيما أوجب الله على العلماء من الصدع بأمر الله والنصيحة للناس. وذات مرة علم أن الخليفة سيشهد الجمعة فأعد خطبة بليغة واعتلى المنبر والخليفة حاضر، والمسجد عامر بالمصلين وابتدأ خطبته بقوله تعالى في سورة الشعراٍء: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلذون؟ وإذا بطشتم بطشتم جبارين .. إلى قوله تعالى .. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين .. » ثم مضى وتلا قوله تعالى بعد كلام مسهب بليغ: «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟» وعلم الخليفة أنه المقصود فبكى وندم على تفريطه، ولكنه مع ذلك غضب لغلط التقريع الذي وجهه الخطيب إليه فقال لولده بعد خروجه: «والله يا بني ما عنى بهذه الخطبة غيري .. ولقد كاد يقر عني بعصاه» . فقال له ابنه: «فما الذي يمنعك من عزله عن الخطابة والقضاء؟» فقال له الخليفة: «ويحك يا بني!! أمثل ابن سعيد في فضله وعلمه أعزله لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟! هذا ما لا يكون أبدا ..

هذا الموقف العظيم من الطرفين في تحمل المسؤولية الشخصية، والجرأة في الحق والخضوع له، غيض من فيض وافر من الأخبار المأثورة عن مبلغ تقدير الأولين لمسؤوليتهم الفردية نحو الآخرين. حتى روي عن عمر بن عبد العزيز أن زوجته جاءته ذات ليلة بعد أن قام ليله وأصبح صائما فقالت له: «يا أمير المؤمنين لشد ما كان منك ما رأيت الليلة؟» فقال: «أجل إني قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها، فذكرت الغريب الضائع والفقير المحتاج، والأسير المقهور، فعلمت أن الله تعالى سألني عنهم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي مع محمد حجة فخفت على نفسي. ثم قالت: والله إن كان عمر ليكون في المكان الذي ينتهي إليه سرور الرجل مع أهله، فيذكر الشيء من أمر الله فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع في الماء، ثم يرتفع بكاؤه حتى أطرح اللحاف عني وعنه. ثم يقول والله لوددت لو كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد ما بين المشرقين.

أيها القارئ الكريم:

تلك هي مسؤوليتك نحو نفسك وأسرتك ومجتمعك ودولتك .. وهذه أماثيل قليلة من تحمل أفراد السلف الصالح لمسؤوليتهم الشخصية تجاه البلاد والعباد. وهذه وتلك كافية كما اعتقد لأن تحملك على الأقل أن تسهر على كفاءاتك ومؤهلاتك لتفيد منها جميعها مجتمعك الصغير والكبير الفائدة التي لابد منها لتكون عنصرا فعالا وعضوا منتجا خيرا وركنا قويا والله الموقف لما فيه الخير.

الشيخ حسن خالد

قاضي عكا الشرعي

«من عباد الرحمن»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت