فهرس الكتاب

الصفحة 4640 من 5287

بهما يجد المجتمع ما يتطلع إليه من أمن وسلام وتعاون مثمر.

وعلى ضوء هذه النزعة الاجتماعية في الإسلام، كان من أهم أصوله نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جعلها رب العزة في الدرجة الثانية بعد الإيمان فقال: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» . وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» . وقال: «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم بذنوبكم من لا يخافكم ولا يرحمكم» . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصاية من الفرد على المجتمع، ومسؤولية واضحة المعالم، بها يتأكد لدى الفرد أن المجتمع منه وهو بعضه، وأن هذه البعضية من كل الطرفين تجاه الآخر، تحمله على أن ينظر على أنه كيان هام بالنسبة إليه، لا يفرط بمصالحه، ولا يتأخر ببذل وسعه في سبيل راحته ومصلحته وسعادته.

مسؤولية الفرد تجاه الدولة: وكما يجب أن يكون الفرد عنصرا منتجا بالنسبة للمجتمع، ينبغي أن يكون بالنسبة للدولة التي تحميه، وتصون مصالحه وأغراضه وحاجاته، والتي انبثقت عنه وبرضاه، فلا يجوز مطلقا أن يستبيح أموالها بغير حق ولا شرعه، كما لا يجوز البتة أن يهدر مصالحها وأموالها ومراكز إداراتها، ولا أن يسمح لأحد بذلك، ولو كلفه ماله كله وحياته أن اقتضى الأمر. فإذا كان الفرد واليا أو أميرا عاما أو مسؤولا عن بعض الشؤون، فما أشد ما حمله الإسلام من مسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه.

فقد ورد في تحميل الأمير مسؤولية اختيار الأعوان له في الحكم: «أيما رجل استعمل رجلا على عشرة وقد علم أن في العشرة من هو أفضل منه غش الله والرسول وجماعة المسلمين» . وورد في وجوب نصيحة الوالي للمسلمين: «أيما وال ولي شيئا من أمر أمتي فلم ينصح لهم ويجتهد لهم كنصيحته وجهده لنفسه، كبه الله على وجهه يوم القيامة في النار» .

وقال أيضا: «أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وبجماعة المسلمين أن يعظم كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر عالمهم، وأن لا يضربهم فيذلهم، ولا يوحشهم فيكفرهم، وأن لا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم وشد ما حذر الإسلام وتخوف من الولاة الظالمين الذين يسلكون بالناس مسالك الضلال، فإن انقادوا إليهم أوردهم موارد الهلكة، وإن نفروا منهم وأبوا متابعتهم، اعلموا فيهم السيف والظلم. فقال صلى الله عليه وسلم: «لست أخاف على أمتي غوغاء تقتلهم ولا عدوا يجتاحهم، ولكني أخاف عليهم أئمة مضلين إن أطاعوهم فتنوهم وإن عصوهم قتلوهم» .

هذا إذا كان الفرد واليا، فإن كان عاديا وجب عليه أن ينصح لدولته وأمرائها، وأن يطيعهم فيما لا معصية فيه ولا إثم. قال تعالى: «يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» . ولكن الإسلام قد جعل هذه الطاعة غير مطلقة، بل مشروطة بعدم معصية الله، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «السمع حق على المرء فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية. فإذا آثر الحاكم نفسه وتلاعب بمصالح الأمة، وجب على كل مسلم نصحه ومنعه من التمادي في باطله. أما إذا لم يتيسر للأمة ذلك، فالإسلام يأمر بالصبر والتجمع حتى يتأتى الظرف المناسب لإبعاده عن مكان الولاية، وينصح في مثل هذه الأمور أن لا يلجأ أولو الأمر إلى عوام الناس، لما في ذلك من خطر شنيع على مصالح الدولة، بل أن يعالج أهل الحل والعقد في البلد، والأئمة المخلصين، والرجال العاملين، الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن تأتى ذلك فيه، وإلا وجب عليهم توضيح الحقائق للناس، ووضع المناهج السليمة للوصول إلى الهدف المطلوب.

وإلى هنا يغلب على ظني أني استطعت قدر الإمكان مع الإيجاز المطلوب، أن أوضح مسؤولية الفرد تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، وأظن أنه قد وضح جليا لكل ذي بصيرة، إن كل فرد في أي مجتمع كان، دعامة هامة بالنسبة إليه، لا يستهان به مطلقا، بل يجب أن يعتني به العناية الفائقة، بحيث يمكنه ذلك من القيام بواجبه على الوجه الأكمل.

وقد نجح الإسلام في تثبيت هذه المسؤولية في نفس الأفراد من الصحابة والتابعين، ومن سبقهم بإحسان دهرا مديدا. وكان من آثارهم الأمثال النادرة في صلاح الأمراء والعلماء والرجال العاديين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت