دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 13
للأستاذ: الرحالي الفاروقي
حدث أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلس الناس من حوله فقال: «إن مما أخاف عليكم ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها» فقال رجل يا رسول أو يأتي الخير بالشر فسكت صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أنه لا يأتي الخير بالشر وان مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلم وإن هذا المال خضرة حلوة» -بين الحديث الكريم أن الخير لا يفتح باب الشر من ذاته ولكنه قد يأتي عرض يخرجه عن طبعه ويحوله عن طريقه وهو من دون شك ناتج عن حركات الإنسان وتصرفاته المكروهة ومقاصده الممنوعة ولذلك نرى في مناظر الحياة المختلفة ومشاهدها المتكررة ما يقضي أن يكون الخير سببا إلى الشر كما قد يكون الشر بابا إلى الخير -فالنعمة لا تكون شرا بذاتها- والعمل الصالح لا يكون سببا لضده -والمعاصي والمفاسد لا تشق طريق الخير أبدا- وكذا الحياء لا يكون ضعفا والجود لا يرجع إسرافا والاقتصاد لا يكون بخلا والشجاعة لا تصبر تهورا إلا إذا عرض ما أخرج ذلك كله عن حده وزاد به على مقداره. فقد جعل الله لكل شيء قدرا -ووضع لهذا الكون الصاخب أنظمة متبعة وسننا جارية مطردة وجعل للخير والشر أسبابا وأحكاما- ولكل عمل من العمال المحبوبة والمبغوضة أثرا وجزاء لا يشبه أثر الآخر ولا جزاءه- والإنسان لمعرفته ولإرادته واختياره مهيأ لتناول الأسباب ومباشرة الأعمال ومكلف بالفرق بين الخير والشر والنفع والضر. فإما أن يكون حسن التصرف في نعمة الله عليه وإما أن يكون مسيئا يخذلان الله إياه. فإن تحصن يوحي السماء وآمن بدعوة الحق فلا يقع كبير خلل في أحواله وأعماله، ولا يشتبه عليه جنس بغيره -وغن ضل عن سواء السبيل وإشراف في الأمر وأساء في الحكم فقد يبدو له من الله ما لم يكن يظنه ويحتسبه، والعهدة عليه فيما يحدث من فتنة أو بدعة في محيطه ومجتمعه، ومثل الرسول الكريم هذه الدنيا التي تتراءى للنفوس مادة حلوة وجنة خضرة بالنبات الأخضر الذي تتهافت عليه البهائم وتتسارع إلى أكله وتستكثر من رعي صنوفه وقد يقتل حبطا أو يقارب هلكا، فيكون شرا، فالإسراف في المال ووضعه في غير وجهه، والبخل بإنفاقه، والبطر والطفيان الناشئ عن جمعه باب من أبواب البلاء، وسبب من أسباب الشر، وإن كان المال في حد ذاته خيرا ونعمة وفضلا وبركة.
وإلى ذلك فالغايات والعواقب غائبة عن الإنسان وبعيدة من إدراكه، ولو تطلع إلى معرفتها وتكلف الوصول إلى حقيقتها -ومن دأب الغافل أن يرى كل شيء في المبادئ التي تتجمع أمامه جاهلا بما وراءها من نعمة أو نقمة- ومن شأن العاقل أن ينظر في أعقاب الأمور ويتأمل في أواخرها ولا يغتر ببوادر الأشياء وظواهرها، فلا يتخطى الأسوار المحكمة، ولا يقتحم المضار المتوقعة، ولا يتجاسر على ما ليس له به علم وإدراك ..
ومن أجل ذلك كان من سداد الإنسان ورشاده أن يأخذ ما استطاع ببيان الشرع وأوضاع الحق، وغن استعصى على النفس في المبدأ القبول والإذعان، ويحذر ما أمكن من مهاودة النفس ومطاوعة الشيطان وأن غلبت لجاجة الشر ومداولة الباطل، وكل غائب عن الحق وراكب متن الهوى فهو نادم وآثم عاجلا وآجلا وربما اختار في هذه الدنيا ما هو شر وتأخر عما هو خير كما خاطب الله الرسول بقوله «كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» فالقتال وإن كان خيرا وعزا لأدائه إلى أعظم مطلوب وأفضل محبوب تعافه النفس وترغب في