فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 5287

الراحة والدعة وإن تسببت في الذلة والضعة والعاقل البصير لا تعقده المشاق العاجلة ولا تخيفه الآلام الحاضرة فعقلاء الدنيا يتحملون أبهظ النفقات وأعظم النكبات لما يترقبونه في النهاية من الانتصار واكتساب الشرف -وكذا الحرب العادية فهي شر هائل تحاذره النفوس وترتعد منه الفرائض وتستعيذ منه الأمم والشعوب وقد تكون خيرا من الخيرات توقظ الهمم وتفتح الأبصار وتطهر الأرض من الفساد وتصهر نوع الإنسان كما ينصهر المعدن بالنار فيعود أروع وأفضل وأصلح مما كان «ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» كحال الأشتية والأرياح التي يعقبها الربيع بنضارته وأزهاره ويتبعها بغلاله وأثماره وهي لا تخلو من ضرر وضيق وإن كانت النسبة قليلة ومحدودة وأيا ما يكون فالمرجع في حكم الخير والشر للعقل والنفس ويختلف ذلك باختلاف الناس فمنهم من استولى عليه حب الهوى ومنهم من غلب عليه سلطان العقل- والمبدأ الدائم لوجود الفعل الرغبة والإرادة كما أن مبدأ عدم الفعل السخط والكراهة فتتوفر دواعي الفعل فيما إذا كان الشيء محبوبا وموديا إلى محبوب، وأسباب الترك فيما إذا كان الشيء مكروها وموصلا إلى مكروه وما عدا ذلك يتنازع فيه العقل والهوى فالعقل يوثر أنفع الأمرين وأبقاهما، والهوى يبغى عاجلهما وأقربهما، وهذا موضع المعركة ومحل الابتلاء والاختبار، فاصل الخير من صلاح القلب وكمال إدراك العقل، وأصل الشر من نقص الإدراك وفساد القلب- وكل من المحبة والكراهة وصف تابع لجنس الخير والشر وعليهما تترتب سعادة الإنسان وشقاوته وينبني خيره وشره في الأول والآخر وفي الظاهر والباطن .. فالأديان والشرائع منشؤها الإرادة وأصلها المحبة وبدونهما لا يقع تصديق ولا يقوم عمل -وما شرعه الله لعباده وأمرهم به فإنه يحبه ويرضاه وما نهاهم عنه وإبعادهم منه فإنه يكرهه ويأباه .. فالدين نفسه قائم بالمحبة ومرتكز عليها ومشروع من أجلها .. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» قال والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي قال «الآن يا عمر» . والمحبة لها أثر ظاهر وحكم قائم كان ذلك الأثر محمودا أو مذموما كان عنوان العادة أو عنوان الشقاوة، فمحبة الله ومحبة الرسل تقوم عليها دعائم الحق وتتحقق بها شرائع الدين. ومن جرائها يتعرض الإنسان للمرائر والمصائب في هذا العالم المنكوب .. والعقلاء يفضلون لذة المعرفة ونعيم الآخرة وحسن العاقبة، ويستقبلون برباطة الجأش وشجاعة القلب كل ما يتوقع من الألم والأذى في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة، والسفهاء يقدمون لذة الحياة العاجلة ويرون في ذلك منتهى أملهم وآخر مطلبهم، وكل ميسر لما خلق له على أنه كثيرات ما يختلط الخير والشر في هذه الحياة على الإنسان فيرى الخير فيما لا خير فيه ويحبه، ويعتقد الشر فيما لا شر فيه ويكرهه، والله وحده يعلم ما خفي من الحقائق والباطل. والناس لا يدركون كنه الأشياء ولا يعلمون ما في الأرض فأولى لهم طاعة الرسل واتباع سبيلهم وطريقهم والبناء على أسسهم وقواعدهم بدلا من غرور النفس وشذوذ الفكر والسير في طريق غير واضح- ومن مقتضيات هذا السبيل البحث عن أسرار الكون والإطلاع على ما في هذا الوجود الغامض من طاقات وقوات للدلالة على وجود الإلاه الحق ووجوب الإيمان به وللاستفادة منها واستعمالها في خير الإنسان وسعادته -والعمل بنظام في طريق مستو وخط مستقيم لا يراد به الشيطان ولا يدخل فيه الشر البتة وإنما يدخل في أفعال وأقوال من خرج عن الخط ومال عن الطريق .... هذا ومن خير الحركات التي ينبغي أن تجري مجراها الطبيعي وتسير سيرها العادي وتتجرد من عوامل النقص ونوازع الشر كي تقصد في طريقها وترد ما ضاع من آثار القوم وما محي من معالم المجد تحرير الشعوب وتخليصها من كفر الاستعمار وقطع علائقه ورفض مطامعه برسم طريق جديد واعتماد حياة جديدة تلائم طبيعة تلك الشعوب، وتاريخها الماضي المجيد، فيعز على المرء والحالة هذه أن لا يرى المسببات مربوطة بأسبابها، ولا النتائج مقرونة بمقدماتها، في مفهوم هذه الحركة الشائعة ومدلولها الصحيح.

وغير خفي أن المغرب اشتهر في التاريخ بروحه الدينية، وسياسته الإسلامية، فيلزم أن تنسق حياته الزمنية مع الحياة الدينية والحقائق الشرعية .... ويعترف للمعاهد التي تمثل هذه المعاني بما أثبته التاريخ لها من وجود، وبما كسبته في الدفاع من حقوق فلا تحول عن صبغتها ولونها المعنوي ولا تقطع عن متابعة سيرها ومشروع عملها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت