فهرس الكتاب

الصفحة 2177 من 5287

ولا ريب أن تبعية المعاهد لما سواها تتعارض مع وضعها الأصلي، وتحدد نشاطها المتبع وتضعها في مقام لا تغبط عليه أصلا ... وإنما على أهلها أن يعدوا أنفسهم بمساعدة أولى الأمر لمعالجة قضيتها والخروج بها من النطاق الضيق حتى تلائم جو الدراسة الصحيحة، وتحقق الأهداف المطلوبة، والاستقلال الحق كل ما يميز الدولة ويوضح معناها ويثبت أصولها ويربط أجزاءها، وذلك مما لا يتنافى مع الأخذ من محاسن الحضارة القائمة، والمساهمة في أسباب السعادة المادية كما لا يتنافى مع التعاون على شؤون الحياة والتبادل في فنون الثقافة ..

أما الاستقلال ولغة الاستعمار تتكلم، وأنظمته تتحكم، فهو خلاف الصواب وخلاف الحق، والسكوت عن الحق والصواب معناه النطق بالباطل وتأييد الواقع الفاسد ..

وليس من الغريب أن يضايق الأجنبي أوضاع الدولة ويهاجم مراكزها القوية، وتقاليدها المرعية، وغنما الغريب حقا أن يظل هذا التضايق حتى مع الاستقلال بمرأى ومسمع من أبنائه وهم بذلك يتناقضون مع أنفسهم ويتناكرون وواقع حياتهم ... فلا يوجد على وجه البسيطة من يهون عليه دينه ومذهبه ويرضى أن تموت لغته ويستبدل لسانه ...

ومما لأمراء فيه أن مشايعة التعجيم ومعاضدته تكاد تعفى هذه اللغة جملة، وتجعلها أقل قائدة ومنفعة، وتتركها تتخبط في الطريق وتتعثر في المسير ..

ولذلك فمحاولة التعريب صعبة للغاية لاستمرار الضد وبقاء المزاحم في صفوف الدراسة، وفي رفوف الإدارة ولقوة الجهاز وشدة الدفاع. ومن ناحية أخرى تشق معاناة لغتين على الأطفال في أول تربيتهم وتعليمهم بل ذلك اخطر شيء على حياتهم ومستقبلهم ... وقد ذكر الجاحظ في موضع من البيان والتبين أنه إذا التقت لغتان في لسان واحد أدخلت إحداهما الضيم على صاحبتها ..

وبعد فإذا كان أصل ما نراه من مخلفات الاستعمار وهو شر وبلاء فإن الاستقلال خير ونعمة، والخير لا يأتي بالشر والنعمة لا تكون طريقا للكفر، فمتى يزول هذا الالتباس ويستقر الحق في أصل نصابه، ومتى نربي نفوسنا وأبناءنا تربية دينية وطنية، ونحيا حياة كريمة، نمكن بها عروبتنا ومذهبنا ونعزز وجودنا واستقلالنا والله العظيم يقول «أن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا بما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت