فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 29

للأستاذ: الطاهر زنيبر

خرج المغرب من عهد الحماية إلى عهد الاستقلال وانتهى الكفاح الطويل المرير الذي خاضه المغاربة ضد الاستعمار والمستعمرين ليخوضوا معركة أخرى تستوجب نفسا طويلا وسواعد قوية وعقولا راجحة هي معركة البناء والإنشاء.

ومما لا شك فيه ولا مراء أن النخبة الصالحة في البلاد التي وصلت إلى درجة من الوعي تجعلها تقدر الأشياء حق قدرها وتزن الأمور بميزان التمحيص والمنطق تدرك إدراكا تاما أننا ما زلنا نرتطم بمشاكل عديدة في جميع ميادين حياتنا، فليس هناك من يمكن أن يدعى أننا لسنا في حاجة إلى إنشاء اقتصادنا على أسس متينة جديدة أو أننا وصلنا إلى درجة مرموقة من الناحية الاجتماعية أو الخلقية أو أن دخلنا الوطني صار كافيا لرفع مستوى الحياة في البلاد والترفيه عن المواطنين.

فإلى أي ميدان اتجهنا نجد أننا ما زلنا في أول الطريق وأن علينا أن نعبد هذه الطريق ونذلل ما يعترضنا فيها من عقبات ونختار لأنفسنا المناهج والوسائل التي تضن لنا النجاح سالكين في ذلك ما يمليه علينا الضمير والمنطق ومستفيدين من تجارب غيرنا من الأمم التي سبقتنا إلى الحضارة.

ومما لا شك فيه أن أول وسيلة من وسائل ما نحن مقدمون عليه من أعمال في العهد الجديد للوصول إلى الأهداف التي نتوخاها هي الثقافة، ولسنا في حاجة إلى الاستدلال على أن الثقافة في العصر الحاضر هي العصا السحرية التي يستعملها الإنسان لحل كل ما يعترضه من مشاكل، فهي التي تسخر له الطبيعة وتعطيه الطاقة والقوة وتسهل عليه تنظيم المجتمع الذي يعيش فيه، فبالعلم والثقافة فتح ما كان مغلقا من أسرار الكون وتدفقت الخيرات والأرزاق في المعمور وتيسرت المواصلات في شتى أشكالها وأنواعها واستخرجت الكنوز الكامنة في باطن الأرض وارتفع الإنتاج الصناعي والاقتصادي والفلاحي وتطورت أساليب الحكم والإدارة والقضاء وتحسنت أذواق الناس في معاملاتهم ومأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم وأرهفت إحساساتهم ومشاعرهم وسمت الفنون الجميلة، ولم تبق وقفا على طبقة بل صارت ملكا مشاعا في المجتمع للترفيه عن النفس وإعدادها لما ينتظرها من أعمال.

فإذا كانت الثقافة بهذه المثابة بالنسبة إلى الإنسان في العصر الحاضر فلسنا في حاجة لمن يقنعنا بضرورة استعمال كل مجهوداتنا لتيسيرها لشبابنا الذي نريد أن نعده لجلائل الأعمال، إلا أن بلادنا بحكم الظروف التي أحاطت بها في العهود البعيدة والقريبة وجدت نفسها الآن أمام مشكلة تعدد أنواع الثقافات، هذه المشكلة التي تستوجب لحلها على الوجه اللائق الناجع كل ما رزقنا من تبصر وذكاء وصفاء ضمير، لأن هذه المشكاة ليست شكلية أو موضوعية أو منطقية، بل هي أعمق وأوسع من ذلك إذ أراها بالنسبة للمثقفين تكون عقدة نفسية مستعصية ومركبا يرتطم به كل من يمت إلى الثقافة بصلة، وهذا أمر معقول إذا أدركنا أن ثقافتنا التقليدية بقيت طيلة عهد الحماية متحجرة منكمشة على نفسها متصفة بصبغتها (المدرسية) ، كما أراد لها ذلك المستعمرون الذين عملوا المستحيل لإخفات صوت الثقافة العربية في البلاد. وإننا مع اعترافنا وتقديرنا لعلمائنا الأجلاء الذين حافظوا على التراث الإسلامي العربي لا يسعنا إلا أن نؤكد أن هذه الثقافة التقليدية في حاجة إلى التطور والتجديد حتى لا تبقى ثقافة خاصة لطبقة خاصة، فلابد أن نحقنها دما جديدا زكيا يجعل كل من يحملها بين جنبيه لا يشعر بأي مركب بالنسبة لغيره من المثقفين.

وإذا سلمنا بأن الثقافة ليست غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة لتيسير الملكة وتكوين العقل وترتيب المعلومات والأفكار وجعل المرء لا يجد نفسه غريبا بين ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت