دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 30
أية طبقة من المثقفين في العالم تبين لنا أن ثقافتنا التقليدية لا تفي بكل هذه الأغراض في وضعها الحاضر، وإني لست من الذين ينقصون من قدر هذه الثقافة التقليدية فإنني أبقى مشدوها أمام مصنفاتها ومتونها وغزارة موادها واستقصائها للكليات والجزئيات، ولكنني أنظر إليها كمجموعة من العلوم والفنون ينبغي أن تدرس في مرحلة التخصص بعد أن يكون الطالب حصل على الثقافة العامة التي تلقاها في المدارس الابتدائية والثانوية كبقية زملائه وأقرانه، وذلك على ما يلوح لي هو أنجع دواء نفساني لعلاج العقدة النفسية التي يتضرر منها طلبة المعاهد التقليدية وإدخالهم لإطارهم الطبيعي كغيرهم من الطلبة الذين هم بأجمعهم أمل الغد وبسمة المستقبل.
ومما لا شك فيه أن إدخال هذه الفكرة إلى حيز التطبيق يحتاج إلى مجهودات عظيمة مادية ومعنوية، ولكن هذه المجهودات يجب أن نسرع إلى القيام بها إذا كنا نحرص على وجود انسجام بين المثقفين في بلادنا وإذا كنا لا نريد أن نرى هوة سحيقة تفصل بين هؤلاء المثقفين فتختلف عليهم السبل ويتنكرون لبعضهم فتضيع بذلك الطبقة الثقافية التي نحن في أشد الحاجة إليها وتصبح طبقة من الأمة تؤمن بهذا النوع من الثقافة وطبقة أخرى تؤمن بالنوع الآخر.
ولا أريد هنا أن أدخل في تفصيل البرامج والمناهج فذلك أمر يحتاج إلى دراسات متنوعة وكفاءات متعددة، ولكنه يظهر أننا سنكون مضطرين في المستقبل القريب إلى إعادة النظر في هذه البرامج والمناهج على أساس جديد يرمي إلى وضع سياسة تربوية ترتكز على توحيد التعليم في مرحلتيه الابتدائية والثانوية وإنشاء كليات للتعليم العالي للتخصص في مختلف العلوم والفنون وفي ضمنها - وفي مكانة مرموقة - الكليات والمعاهد الإسلامية للتخصص في التشريع الإسلامي والثقافة العربية بوجه عام، وبهذه الوسيلة وحدها يمكن أن نعمل على توحيد التعليم في بلادنا وإزالة الأشواك والعقبات أمام المثقفين وخلق جو صالح لانبثاق العزائم والقرائح والمواهب. فالوقت الآن وقت سرعة فلا يجمل بنا أن نضيع منه ولو النزر اليسير في المفاضلات بين القديم والحديث، وقد خاض غيرنا هذه المعركة منذ عهود بعيدة ولكن قادة الفكر في أنحاء المعمور اقتنعوا الآن بأن عصرنا عصر تخصص وأن الثقافة لينتفع منها الفرد والجماعة يجب أن ترتكز على التخصص وأن إطارات الدول لا تكون إلا من الاختصاصيين الذين - زيادة على الثقافة العامة التي يحصلون عليها - يلجون أبواب الكليات والمعاهد والمدارس العليا للتعمق في علم من العلوم أو فن من الفنون يصبحون فيه اختصاصيين، فعسى أن ندرك هذه الحقيقة ونهيئ الوسائل لتحقيقها، ففي ذلك ما يكفل لأمتنا الارتقاء إلى أعلى الدرجات واحتلال مكانة مرموقة في العالم المتحضر، وما ذلك على قادة الفكر في بلادنا بعزيز.