فهرس الكتاب

الصفحة 4167 من 5287

دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 ص23

أبحاث ومقالات: عوامل الوحدة في المغرب العربي

للأستاذ محمد زنيبر

من بين الأفكار التي سيكون لها شأن هام بالنسبة لمستقبلنا فكرة توحيد المغرب العربي، وهي فكرة قديمة لها جذور عريقة في التاريخ، ويشهد عليها كم من أثر خلفه أجدادنا منذ أجيال وأجيال، وإنما عاق عن الشروع في تحقيقها بصورة جدية وملموسة الوضع الاستعماري الذي كانت تعيش فيه شمال إفريقيا إلى عهد قريب، وبتحرير آخر جزء من الشمال الذي هو الجزائر سيتسنى لرجال السياسة والاقتصاد أن يدرسوا بكيفية علمية وعملية مسألة توحيد المغرب العربي وأن يخرجوا بها من طور الفكرة المجردة إلى طور الواقع المجسم.

وفكرة توحيد المغرب العربي ليست من تلك الأفكار الساطعة البراقة التي تخلب الإنسان لأول وهلة، بل إنها، على العكس من ذلك، فكرة عملية ضرورية تفرض نفسها شيئا فشيئا مع تقدم الزمان واتساع مسؤوليات دول المغرب العربي كدول حرة مستقلة، لها مركزها في المجتمع الأممي، فقد كانت هذه الدول في الواقع، وهي تكافح ضد الاستعمار، غير متفرغة للتفكير في بناء مستقبلها وفي تخطيط البرامج الواسعة العملية للنهوض بمستواها المادي الفكري، أما وقد أحرزت استقلالها وتسلمت القيادة بيدها، فقد أصبحت تسيطر على مصيرها بنفسها ولوحدها، ومعنى هذا أنها أصبحت تتحمل مسؤوليات جسيمة وتواجه مشاكل عديدة متشعبة، وهذا كاف وحده لأن يدفعها إلى التضامن فيما بينها، والتعاون على تذليل الصعوبات الناجمة وتسوية القضايا المستعصية.

وأهم هذه القضايا هي قضية التخلف العام في سائر الميادين، حقا أن معالجة التخلف لا يقع طفرة، بل يتطلب زمانا ووسائل قد تتوفر وقد لا تتوفر، ولكن مهما كان الزمان وكانت الوسائل فإن العلاج يكون أيسر وأقرب، إذا تضافرت الجهود، وعبئت المواد والوسائل، في نطاق مشترك، بين دول تجمع بينها روابط وثيقة دائمة، وذلك شأن دول المغرب العربي.

على أن مسألة وحدة المغرب العربي لا تنحصر في نطاق محدود بل إنها تعرض لنا في كل ميدان من ميادين الحياة العامة وتواجهنا في سائر المستويات الفكرية.

فإذا وضعناها في المستوى العاطفي الذي هو مستوى الجميع بغض النظر عن التكوين الثقافي، فإنها تلاقي ترحيبا شعبيا حارا وتأييدا إجماعيا، ولربما لا يوجد من يعترض عليها أو ينتقدها. والحقيقة أن وحدة شمال إفريقيا تثير في النفوس نشوة حماسية، لأنها تعود بالذاكرة إلى عهود تاريخية مجيدة، ولأنها تشعرنا بالقوة والعظمة، وأمة تضم عشرات الملايين من السكان، وتمتد بقعتها على آلاف الكيلومترات لا شك وأن فكرة العظمة هذه والأمجاد التاريخية هي التي اجتذبت أول مرة شباب إفريقيا الشمالية إلى التغني بالوحدة والهتاف لها.

وقد أخذ هذا المظهر العاطفي في بعض الأحيان شكلا قويا مروعا يذكر بالملاحم التاريخية الكبرى المليئة بمواقف البطولة والاستماتة، ولنقتصر في هذا الباب على ذكر يومين لهما شأن في تاريخ المغرب العربي وهما 20 غشت 1955 بالجزائر و 22 أكتوبر 1956

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت