فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص14

من مسؤوليات الاستقلال: توحيد التفكير

للأستاذ: محمد الروداني

يخيل للناظر في أحوالنا أننا من بقايا المتبلبلين في كارثة برج بابل، ومن المعلوم أن البابليين من الأمم المتحضرة ماديا وأدبيا بالنسبة لإمكانيات عصرهم، ويحكى عنهم أنهم بنوا برجا عاليا ليطلعوا منه إلى السماء، فلما علوا به كثيرا عن الأرض، أصابتهم صاعقة شتت جموعهم وأفقدتهم رشدهم فتبلبلت أفكارهم، وصار لكل طائفة منهم تفكير خاص يصادم تفكير غيرها، فاستحال عليهم التعايش الجماعي، فتشتتوا في الأرض طرائق قددا.

ويخيل للناظر في أحوالنا أننا قد أصبحنا كذلك -لا قدر الله- كنتيجة لما كنا عليه من التفكك أيام الاستعمار، فكل طائفة منا تكاد تنفرد بطابعها الخاص وتفكيرها المنحاز، وترى أنها على صواب وحدها، فتطمح لأن تتزعم قيادتنا على نحوها وطريقتها -صراحة أو ضمنا-، وذلك لتفوز -عن حسن نية- بشرف توحيد الصفوف، ولكنها إذا حاولت لا تجد من سواها إلا النفور والتقاعس.

وأكثر ما يصدر ذلك عن قوم من صميم الأمة، ولكنهم أحد رجلين: إما رجل لا يعرف الماضي المجيد الذي لهذه الأمة في مادياتها وأدبياتها، فلما رأى ما عند غيرها من الأمم الحديثة العهد بالحضارة صادف ذلك منه (قلبا خاليا فتمكن) ، وليس بعد تمكن الشيء إلا التنكر لما سواه، وهذا رجل له بعض العذر، وعلى غيره أن يرشده، كما عليه هو أن يسترشد، وإما رجل عرف ماضي الأمة المجيد وعرف مثلها العليا، ولكنه يرى على ذلك كدرة من العتاقة والقدم وتكوم السنين فيأنف من استخراج الكنز ونفض الغبار عنه وإحيائه، استهواء بالجديد الطري المزخرف، فأصبح يدعو إلى إغفال جميع التراثات الروحية والأخلاقية والتربوية، لأنها عتيقة بالية يعلوها غبار السنين، وكل ما يقال عن هذا هو أنه مثال مثبط لمن حوله، فليتق الله فيهم، وليرجع إلى رشده.

ومثل هذا التبلبل مشاهد وملموس لا في الجماعات فقط، بل في الأفراد أيضا، وهو فيهم أكثر وضوحا منه في الجماعات، فلا تكاد تتصل بفرد من الطبقات الشعبية في اتصالات الحياة العامة إلا وتكاد تجزم أنه (أمة وحده) .

وإذا شعرنا بوجود هذه الظاهرة بيننا، وأقنعتنا التجربة بأن ليس في إمكان أي فرقة خاصة أن تتزعم القيادة للتوحيد على طريقها ونحوها أصبح من الضروري فسح المجال للحكومة الوطنية لتعالج المشكل بمثل ما تعالج به جميع المشاكل التي وجدتها أمامها من ذيول العهد الماضي، وليس فينا من يجهل أن التوحيد بين أفكارنا وخططنا لم يكن متيسرا في ذلك العهد، لأننا كنا مغلوبين فيه على وسائل التوحيد كالتعليم والوعظ والنشر والاجتماع، وكل من كان يعمل في ميدان من ميادين إفادة هذا الشعب فإنما كان يعمل فيه بدافع الشعور بالواجب، خصوصا في وقت كان الهدامون أكثر من البنائين.

وحيث أن الله تعالى قد أنعم علينا باسترجاع استقلالنا من يد مغتصبيه، فإن أولي الأمر منا قد أصبحوا مسئولين -فيما هم مسؤولون عنه- عن توحيد تفكيرنا والقضاء على الطفيليات والتعقيدات، وما دام ينبغي أن يكون الابتداء من الأساس، فإن الأساس الذي ينبغي المبادرة بالابتداء منه هو الناشئة المدرسية، ومن المعلوم أن المضطلع بذلك هو وزارة التربية والتهذيب الوطني، واسمها وحده مشعر بذلك، أما من خشنت أعوادهم عن التقويم، وهم من سوى الناشئة المدرسية من شباب وكهول فينبغي تقويم أودهم عن طريق الوعظ والنشر والتذييع، والإقناع بالتي هي أحسن، مع مراعاة أنهم عاشوا أعمارهم في مجتمع كونته عوامل متعمدة أرغمته على أن يكون كما هو وساقته إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت