فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 ص 36
للأستاذ: عبد الوهاب بن منصور
وأخيرا تحرك التمثال بعد طور سكون ن ونطق بعد اتصال صموت، وانتقض انتقاضه مسحت ما فوق جبهته من غبار، ودلت على أن فيه بقية من حياة، بعد أن اعتقد الناس أو كادوا يعتقدون، وأنه فقد الحياة من زمان ... وفارقها من غير أمل في مراجعتها.
تحرك التمثال ونطق، فكانت حركته ونطقه مفاجأة للذين يئسوا منهما، وكانت فيهما البشرى التي غمرت النفوس ثقة، وأعادت الأمل إلى قلوب محبيه والمعجبين به، الذين كسرهم صمت خرق به عادته، وسكون جاء على غير المأثور عنه، فقد عرفوه متكلما بليغا، وخطيبا مفهوما، وعهدوا ألا يروه صامتا، وإلا يروه إلا متكلما، وحدثهم آبائهم عن أجدادهم أنه نطق كالمسيح في المهد صبيا، وأنه لم يؤثر عنه صموت خلال عمره المديد الذي طال أثنى عشر قرنا، وقد كانت حجته الحجة البالغة، وبرهانه البرهان القاطع، بل كان (حذام) المصدقة، فلا قول إلا قولها، ولا رأي إلا رأيها، وكان أبناؤه وحواريوه قادة البلاد وأولى الحل والعقد فيها، لهم الصدارة في المحافل، وعليهم المهابة في المجامع، وكانت إلى جانبه تشد الرحال، وتؤم الرجال من آفاق بعيدة، وأقطار نائية، ليملئوا القلوب والعقول بما يستحسن أن تمتلئ به من إيمان واسخ تثبت به الأقدام في المزالق، وعزيمة تخرق بها الأرض، وتبلغ بطولها الجبال، وحماس يخلق من العدم وجودا، وعلم يمكن للحضارة في الأرض، وحكمة تهدى البشرية إلى سواء السبيل.
كذلك كان التمثال في سنيه الخوالي، وقرونه السوالف، وكذلك كان أبناؤه. وحواريوه، وكان البلد به به وبهم بلدا ممتازا، ممتازا بهذه الحرية التي جعلت عود أبنائه لا يلين لهاجم، ممتازا بهذه الصراحة التي يعد الممتحن عليها ظافرا بالشهادة، آئلا إلى نعيم الجنة. وممتازا بهذه المحافظة الدقيقة على القواعد التي تحفظ الكيان ن وتمتن البنيان، وتحمي صرح الوطن من التصدع والانهيار.
فالسكون الذي خيم على التمثال في السنين الأخيرة كان حريا أن يثير الدهشة، ويبعث على الاستغراب، والصموت الذي ركن إليه أبناؤه وحواريوه كان خليقا أن يحمل الناس على التساؤل والاستفهام، فقد صار التمثال وصاروا هم مع التمثال نكرات لا يقام لها وزن، ولا يسمع لها قول ولا يطاع لها رأي، بعد أن كان له ولها وزن ن ولا يسمع لها قول ولا يطاع لها رأي، بعد أن كان له ولهم الوزن المقام، القول المسموع والرأي المطاع وصار التمثال وصاروا عم معه على هامش الحياة الوطنية، لا يضربون فيها بسهم، ولا يدلون فيها بدلو، وأصبح التمثال وأصبحوا هم معه أثرا من آثار العصور الخالية، بتندر به وبهم، ويسخر من قيمة وقيمهم، ويرتاح بمشاهدته ومشاهدتهم كما يرتاح صنف من الناس بمشاهده الملابس الإقليمية، وسماع الأغاني الفولكلورية.
فما الذي أحال حال التمثال؟ وأحال حال أبنائه وحوارييه؟ وما الذي بدل الأرض غير الأرض والسماء؟ وما الذي غير فهم الناس للقيم وقلب نظرتهم إلى الأشياء؟ حتى كفروا بنا أمن به آباؤهم الأقدمون، وظلوا هم مؤمنون به إلى الأمس القريب؟ وحتى تنكروا لما كانت أنظارهم متطلعة إليه، وقلوبهم معلقة به؟ وله يمجدون؟
أيكون البلى دب حقيقة إلى جسم التمثال وإلى أجسام ماله من أبناء وحواريين، وفعل فيها حتى أصبح نقضا واجبا لأنها أصبحت تستعصي على العلاج ولا تقبل الإصلاح؟
أم تكون القيم أصبحت ذات مفاهيم جديدة بينما بقي التمثال مستمسكا بالمفاهيم القديمة لا يبرحها ولا يريم عنها، فنبذه الناس وتركوه وراءهم ظهريا، لأنهم يستحب هو ويدعو إليه من صدق وإخلاص واستقامة.