فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أم تكون روح التسامح سادت أهل العصر حقيقة، وأنارت سرائرهم بمشاعلها التي تفيض محبة وإخاء، فأصبحوا لا يأبهون بمقومات الأوطان والشعوب من دين ولغة، وثقافة وحضارة، بينما ظل التمثال في ظلمات القرون الوسطى متعصبا لما كان يتعصب له أهلها من مقومات أوطان وشعائر ادبان؟ فجنى عليه هذا التعصب وصار به كما مهملا، ونسيا منسيا.
أم تكون عثرات بعض أبناء التمثال وحوارييه كونت في كلهم مركب نقص عقد ألسنتهم عن الكلام، وحبس ركبتهم عن القيام ن وردهم إلى مؤخر القافلة فصاروا يزحفون زحفا والناس ف ي مقدمتها يجرون ويهرولون؟
الحقيقة أن سر سكوته وصموته لعجيب.
فالبلى لم يدب إلى جسمه دبيبا يجعل معالجته أمرا مستحيلا، وإنما دب فيها بالقدر الذي دب إلى التماثيل والمرافق الأخرى، وتلك التي لم تستعص على تجديد ن ولم تمتنع على إصلاح، يوم تناولتها الأيدي المخلصة بالتجديد والإصلاح.
والمفاهيم الخلقية لم تتطور مع الزمان تطورا يجعلها و المفاهيم القديمة على طرفي نقيض، وإنما تطورت تطورا حل فيه الواقع المحسوس محل الغيب المحجوب، وعززت فيه آية التصوير الديني للسلوك، بآية التصوير العلمي له، وظلت الأخلاق القديمة مع ذلك النجعة التي تهفو إلى بلوغها قلوب الرائدين، والرقاة التي تفضي إليها مدارج السالكين.
والتسامح الذي ساد أهل هذا القرن العشرين، ولم يستأصل من نفوسهم ـ أفرادا وجماعات ـ جذور الاعتزاز بالمقومات التي تنبني عليها كيان الشعوب والأوطان، فإننا نرى أعرق الشعوب حضارة، وأشدها تشدقا بالتسامح والإخاء تربي أبناءها على الاعتزاز بتك المقومات، وتحببها إلى نفوسهم الفنية القابلة لكل انطباع، كما نراها تقبض بالأيدي، وتعض بالنواجد على عقائدها التي تطمئن بها النفوس، ولغاتها التي تعرب عن القلب والعقل، وثقافاتها التي قوام مجتمعاتها، وأننا نراها لا تكتفي بتمجيد ذلك بين أبنائها، والتنويه به داخل حدودها، بل تعمل جاهدة لتجميدها بين أبناء غيرها، والإشادة بها في غير أوطانها، وتنفق على أبناء غيرها، والإشادة بها في غير أوطانها، وتنفق ذلك الأموال الطائلة. ونرى أبناء هذه الأمة المتحضرة المتسامحة يضربون في الأرض ويمشون في مناكبها لهذه الغاية، لا تثنيهم حرارة المناطق الاستوائية ولا برودة الجهات القطبية عن هذا العمل الذي يرونه راجبا مقدسا، وخدمة لمثلهم الأعلى، ويجدون من اللذة في ذلك، والارتياح به، ما يجده الصوفي يتلو وردة في خلوة، أو الراهب يفرغ لعبادة ربه صومعة أو محراب.
فإن كانت بعض العثرات هي التي كونت فيهم مركب النقص، وهي التي أخلدت بهم إلى الأرض، فأراهم قد حملوا أنفسهم شططا، وأرهقوها من أمرها عسرا، فما كان للعثرات أن تسكنهم بعدما ألفوا الكلام وما كان لها أن تخلق في أنفسهم مركبات نقص، بعد الذي قرؤوا من القرآن ودرسوا من السير والتاريخ، وتفهموا من التصرف القديم وعلم النفس الحديث:
(من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها) كلمة خالدة قالها السيد المسيح لأغرار من بني إسرائيل وحاولوا رجم امرأة زانية، فعادوا إلى رشدهم وكفوا من إيذاء المرأة لأنهم وجدوا أنفسهم جميعا مخطئين.
ولا (لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله) كلمة أخرى خالدة انفرجت عنها شفتا النبي العربي حينما رأى صحابته سكيرا يساق إليه فأخذوا يلعنونه، ومن الذي خلق من البشر معصوما من الأخطاء؟ ومن الذي ولد منهم ومات من غير أن تنزل به قدمه زلة صغرى أو كبرى؟ وأي عظيم أو حقير من هذا الجنس لم يسجل عليه التاريخ خطيئة أو أثما، ان ابان الأكبر عصى يوما وغوى، ثم تاب الله عليه وهدى، فالأخطاء التي قد تكون بعض أبناء التمثال وحواريه وقعوا فيها، وبعض المواقف السيئة التي وقفتها طائفة منهم مختارة أو مكرهة، ليس لها أن تحول بينهم وبين إصلاح الأخطاء وإتيان أعمال حسنة يذهبن السيآت، وليس لها أن تجبرهم على الصمت وتحملهم على السكون حتى يصبحوا لا يقام لهم اعتبار عندما تدرس مسائل هم بها الصق من غيرهم، وأكثرهم لها فهما بالتمرس وطول المران.
فكيف استساغ أبناء التمثال وحواريوه أن يسكتوا عن هذه الأخطار التي تهدد الكيان المغربي في دينه، وفي لغته، وفي تاريخه وحضارته؟ وهم الذين رفعوا العقيرة ضد الطغاة الاستعماريين يوم نصبوا حبالاتهم للإيقاع بالإسلام والعربية والحضارة والتاريخ المغربيين.