فهرس الكتاب

الصفحة 4111 من 5287

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 ص 66

معرض الكتب:"نبضات فكر"

للأستاذ عبدالكريم غلاب

قرأه وعلق عليه الأستاذ محمد برادة

أعتقد أن عرض ونقد كتاب نبضات فكر للأستاذ عبد الكريم غلاب، من الصعوبة بمكان، لأن الشكل الذي كتب به يجعل الناقد متأرجحا بين اعتباره مجموعة مقالات، أو اعتباره مجموعة خواطر صحفية، فإذا استعملنا المقاييس المحددة لفن المقالة وجدنا أنها لا تنطبق على محتويات نبضات فكر، لأنها تفتقر إلى التأني اللازم للتتبع ظاهرة ما أو فكرة معينة، وإذا اعتبرناها مجرد خواطر صحفية كتبت في ظروف خاصة من العجلة وملاحقة سرعة المطبعة، فإننا لن نطمئن إلى هذا الاعتبار لأن مضمون هذه الخواطر يحرك أدمغتنا بقوة، ويدفعنا إلى دوامة التفكير المتصل الذي يسلمنا إلى طرح أسئلة عميقة تخرج عن نطاق ما نألفه في الخواطر الصحفية العابرة من ارتباط بأحداث معينة.

مهما يكن فإن هذه الإشارة تجعلنا ندرك دقة موقف الناقد الذي يتصدى لمناقشة نبضات فكر، لأنه يجب أن يحتاط في إصدار الأحكام، ولعل من جملة الأحكام التي تغري الناقد بإصدارها، وأنا أستعمل اللفظة عن حسن نية- الحكم بالتبسيط، ذلك أن الكاتب يطرق موضوعات ذات أهمية بالغة في العصر الحديث مثل:"تضامن الفكر"، سلطة الفكر، هل يقبر الفكر، انتكاس الحضارة، أزمة القلق .. إلخ، فيتوقع من يقبل على قراءة هذه الموضوعات عمق الأبعاد التي سيحمله الكاتب إليها، وجفاف الأجواء والمصطلحات .. ولكن الأستاذ غلاب يتناول موضوعاته من زاوية واحدة لا دخل فيها لتعقيدات الفلسفة ومصطلحات علم الاجتماع ... إنه يعبر عن رأيه في لغة مشرقة وبكيفية مباشرة دون أن يجعل القارئ يلهث لإدراك المعاني مثلما ألفنا ممن يتصدون لدراسة هذه الظواهر، من أجل ذلك فإنني في نقدي لنبضات فكر، سأكتفي بتسجيل بعض الإيحاءات التي أثيرت في نفسي عند القراءة، وستكون -في الواقع- خواطر ورؤيات استجابت لحرارة تلك النبضات فسارعت إلى التعبير عن نفسها لولوج عالم الفكر الرحب ..

في مقال أو خاطرة"سلطة الفكر"يحمل المؤلف رجال العلم والفكر مسؤولية السير في ركاب الساسة والانقياد لانحرافاتهم، ويطالب بأن يسترجع الفكر حريته وسلطته حتى يستطيع الفكر حريته وسلطته حتى يستطيع أداء مهمته .. الواقع أن من أهم مظاهر تأزم الحضارة المعاصرة، انفصال الأخلاق عن السياسة (الأخلاق في معناها العام) ، مما فسح المجال لظهور الساسة المحترفين والمغامرين العاملين على خدمة مصالح ذاتية أو مصالح فئات احتكارية، وقد عبر نيتشه عنهذه الظاهرة فقال:"إن العالم يدور حول محور يقيمه مبتكرو القيم الجديدة، وهذا الدوران يظل غير ملحوظ .. ولكن الشعب والمجد يدوران حول رجال السياسة، وهذا ما يسمى بمجرى العالم".

هذا التشخيص لضعف الفكر صحيح، ولكن هل يكفي أن نطالب له بالحرية والسلطة؟

أعتقد أن حرية الفكر من الأقانيم الجميلة التي لم يعد لها وجود في المجتمع الحديث، لأن الفكر أصبح مطالبا في عصرنا بأن يبرر وجوده، أي أن يخرج من هالته النظرية ليثبت صلاحيته في دنيا الواقع، ومن ثم كانت النظرية الماكسية التي تشترط اندماج الفكر بالعمل، تترجم خيبة الناس في كل تفكير لا يتجاوز التخطيطات النظرية، وتعبر عن التعليق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت