دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 29
للأستاذ: جمال الدين البغدادي
إن الأديان جميعها تهدف فيما ترمي إلى مقاصد شتى وإلى فوائد مختلفة تلحق جسم الإنسان وروحه والمجتمع الذي يعيش فيه. وكان سعي العلماء فيما مضى إبراز طبيعة هذه الأديان وأهدافها وعلاقة كل ذلك بالتقوى وإرضاء الله عز وجل من جهة ثم إظهار مدى التأثير الذي يلحق الكائن الحي من جهة أخرى. وعبقرية أي دين هو مقدار احتوائه على هذه المفاهيم التي يتبدل شكلها من زمن إلى آخر دون مس للجوهر أو تحويل للأصل الأصيل -وفضل الإسلام على الأديان الأخرى هو خصب محتواه وأصالته وانفراده بسيمات وصفات إنسانية عميقة لا تنضب بل نرى لها وجها جديدا كلما تقدم العلم واتسع أفق تفكير الإنسان غير أن حقيقة الدين السامية قد بجهلها الناس أو يتجاهلونها اندفاعا مع السلوك الجاري أو تقليدا لفلسفة الحادية عرجاء لا تقوم على عمق البحث ولا على الروح العلمية الحقيقية -في مثل هذه الظروف يتحثم على المرشدين والدعاة وعلى المختصين بدراسة وتدريس الإسلام أن يحسنوا الدفاع وأن يتقنوا الشرح والتفسير مستعملين في سبيل ذلك أحدث الوسائل وان يعرضوا الإسلام عرضا جديدا حيا قائما على معطيات العلم الحديث وعلى النظريات الفلسفية المعاصرة وألا يكثفوا بالطرق القديمة التي تقوم على المهارة اللفظية والتعصب الأعمى وضيق الأفق.
واليوم، ونحن في شهر رمضان المبارك، يتحتم علينا أن نمعن النظر فيه وأن نتفهمه تفهما جديدا بعد أن صاح المغرضون بعدم جدواه وبفوات أوانه في عصر الذرة والأقمار الصناعية وهم لو فكروا قليلا لرأوا فيه باعثا حبا على الإنتاج والعمل وحافزا على عظائم الأمور.
كثر الحديث حول فوائد شهر رمضان الطبية منعها والخلقية ولم تستطع النظريات الحديثة إلا أن تنحني إجلالا لمغزى الطبي العميق الذي يتضمنه الصوم ولأثره الفعال على صحة الإنسان وعلى المعدة وهي بيت الداء كما يقولون، ولم يكن المعنى الأخلاقي أقل شأنا من المغزى الطبي يكفي ما في الصيام من الضعفاء الذين لا يجدون لقمة العيش كل هذه المعاني طرقها الكتاب قديما وحديثا -ولكن قل منهم من درس الصوم من مضمونه النفسي وحلل عناصره تحليلا نفسيا، وأشار إلى التربية النفسية التي تتحقق بفضل الصوم ثم عمق أثر الجوع على شخصية الإنسان وعلى مصيره في المستقبل- ونحن لو حاولنا هذه المحاولة لوجدنا ميدانا خصبا ووجها جديدا يتبدى لشهر رمضان المبارك.
وهنا أريد أن أدرس عنصرا واحدا من هذه العناصر النفسية العديدة وهو المفهوم الإداري للصوم، ولا يخفي علينا أن الحضارة الحالية كثيرة، التعقيد متبانية الأوجه عديدة المطالب والعروض. وكل هذا من شانه أن يجعلنا نحتار ونضطرب ولا نقدم سريعا على حاجة معنية إلا بجهد وتردد شديد، وهذه المشتتات الذهنية المختلفة من شأنها كذلك أن تضعف الإرادة وتكلل الشخصية وتحط من قدر المواهب النفسية الأخرى. إذا الإنسان المعاصر أصبح في حاجة أكيدة وماسة إلى تربية جديدة تمس أول ما تمس الإرادة الخائرة لأننا نعلم جيدا أن العباقرة الذين تركوا أثرا عميقا في حوادث التاريخ وسير العلم كانوا ذوي إرادة حديدية وعزم قوي يدفعهم على العمل دفعا وليس الصيام إلا تدريب عملي وواقعي على اكتساب تلك المهارة العميقة.
ومن المعلوم في علم النفس أن العمل الإرادي لا يكون عملا إراديا تاما حتى يخرج إلى حيز الوجود والتطبيق، وإن النية أو العزم لا يكفيان بل لابد من