فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 5287

الشروع في التنفيذ، والصيام يماشي هذه الفكرة إذ لا يكفي أن المؤمن بالصيام يكتفي بمجرد الإيمان والاعتقاد بل لابد من الصوم والانقطاع عن ملذات الجسد انقطاعا حقيقيا، والعمل الإداري يجب أن يكون عملا واعيا حتى يكون إراديا إنسانيا، لأن الحيوان يعرف الإرادة والتصميم إلا أنها إرادة عمياء تقوم على الغريزة والاندفاع الحيوي لا على التبصر والفهم. ونحن نعرف أن الصوم لا يكون صوما حقيقيا حتى يكون صاحبه معتقدا مؤمنا شاعرا بالمعنى المقصود والفائدة المرجوة وأن الحسنات تضاف إلى فعل الصائم كلما كان صومه حافزا على الخير والإحسان والعطف على الضعفاء والفقراء.

تمتاز النظريات النفسية قديما في نظرتها الخاصة لفعاليات الإنسان، أن نظرة تتصف بالفصل بينهما ودراستها دراسة مجزأة -كما هو الشأن في العلوم المادية التي تذهب من الجزء إلى الكل ومن الذرة إلى الجسم الكامل- وكانوا يعتقدون أن هذه الطريقة تدني علم النفس إلى العلوم التجريبية، غير أن هذا المنطق تغير تماما بعد نظريات مدرسة الجشتالت الألمانية التي أثبتت أننا لا نفهمها مالم نربطها بالإنسان ككل. فنحن مثلا لا ندرك العملية النفسية العميقة للذاكرة ما لم تبين علاقتها مع الإرادة والذكاء والتخيل، وغن هذه النظرة الشاملة هي التي تكشف الجوانب الخفية للذاكرة -وهذه الفلسفة عرفها الجوانب الخفية للذاكرة- وهذه الفلسفة عرفها الإسلام قبل العلماء النفسانيين في القرن العشرين إذ أن الصوم مثلا ليس إلا عاملا أو حافزا على إثارة الطاقات النفسية الأخرى. فالصائم يضبط عواطفه ويتحكم في نزعاته ويعمل عقله لتفهم فلسفة الصيام كل هذا بالإضافة إلى التأثير على الجسم والسلوك العام. فالصوم شرارة أو دفعة صغيرة لتحريك الإنسان وتنبيه كلا النواحي النفسية الأخرى للقيام بواجبها وبوظيفتها التي خلقت من أجلها.

وكما أن علم النفس الحدي أصبح اليوم يهتم بتربية الشخصية الإنسانية لا تربية طاقة نفسية واحدة، كذلك الصوم فهو تثقيف وتهذيب وإحياء للشخصية الكلية، فالصوم يطلعنا على ما أصاب الشخصية من ثلوم ويجعلنا نلمس نقط الضعف فيها فكان الصوم جرس الإنذار وسفارة الخطر لإصلاح ما أصاب الإنسان فإذا كان ذا إرادة قوية وتغلب على الجوع والعطش ومغريات الجنس والنزعات الشريرة فكأنه اجتاز امتحانا صعبا إلى مصاف الكبار من الناس وإن ضعف وهان فشهر رمضان فرصة لإعادة التثقيف وإصلاح ما فات ثم الاستعداد إلى حياة جديدة فاضلة، لأن الرجل العظيم لا يكتفي بالتغلب على من سواه من الأعداء فقط ولكن يجب أن يتغلب على نفسه أولا وأن يسيطر على الميول التي قد تدفعه إلى الهلاك، وبذلك يصبح أكثر استعدادا لمقابلة البيئة الفاسدة وإصلاحها وللتأثير فيها.

ويعتقد البعض أن الإمساك عن الأكل يسبب التعب واللم، وهم لو علموا لأدركوا أن الألم من مستلزمات حياة جديرة بأن تعاش، ومن ملاحظة أولية نرى أن الرجل الضعيف لا يطيق تحمل اللم وان الرجل العظيم يصمد أمام الألم نفسيا كان أو جسمانيا. فالألم مقياس الرجولة أو الخور والضعف، وشهر رمضان محاولة لتعويدنا على تحمل الألم لنكون أقوياء أمام صعاب الحياة ولكي ننتصر في معركة الوجود ويجب أن نميز بين الألم المعروف في الفلسفة الهندية «اليوغا» وبين الألم الناتج عن الصوم، ففي «اليوغا» نرى الصوم واللم الناتج عنه يهدفان إلى التخلص من سيطرة الجسد والحط من قيمة مادية الجسد، اللم هنا هدام يقضي على وجود موجودة لا سبيل إلى نكرانه أما في الإسلام فاللم بناء إنشائي لأنه إعداد نفسي يرمي أولا وأخيرا إلى سعادة الفرد وسعادة المجتمع المكون من أفراد أقوياء. ويرى آخرون أن الألم يجعل بعض القلوب قاسية وأن الحرمان يسبب الثورة والبؤس وهذا كلام صحيح إذا كان اللم مرتبطا بالشعور بالظلم والإهانة أو الكيت فنحن نثور حينما يحال دوننا ودون خيرات الوجود المشروعة بقوة السلاح وقوة السلطة الغاشمة أما إذا كان الألم إراديا، أي الألم الذي نريده بكل حرية واختيار فهو ألم يكون في أنفسنا عادة الصبر وتحمل المشاق في سبيل نيل حياة أفضل ولتوفير مستقبل أرغد وهذا ما يهدف إليه الصوم وما ترمي إليه أغلب العبادات. عندنا مثال حي يعرفه الكثير منا عن الأثر الكبير الذي قد يتركه فينا الألم والحرمان، وهي شخصية السيدة «هيلين كلير» تلك العجوز الصماء البكماء الخرساء التي تجيد أكثر من لغة وتتذوق الموسيقى التي حصلت -رغم حرمانها من حاسة السمع والنطق والبصر- على دكتوراه في الفلسفة، هذه السيدة تغلبت على حظها السيء بفضل الإرادة وبفضل العزم. ومن هنا نرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت