فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 39

للأستاذ: محمد كاظم سباق باكستان

... وبعد، فهذا المقال كتبته لمجلتنا المحبوبة «دعوة الحق» عسى أن يرضيكم، ويجد في صفحاتها مكانه اللائق ...

وأحب أن أكرر في هذا الكتاب أني من زملاء دار العروبة للدعوة الإسلامية بباكستان، التي معتمدها الأخ الأستاذ محمد عاصم الحداد، وهو الذي شجعني وحفزني على الكتابة في هذه المجلة.

أخوكم: محمد كاظم سباق-باكستان

مذ غلبت النزعة العقلية على الذهن الإنساني، وأضعفت استعداده للإيمان بالغيب، أصبح كثير مما يعتقده أصحاب الأديان من الأمور غير المشاهدة موضع السخرية والطعن، ولما كان المسلمون يعتقدون أن الإسلام هو الدين الكامل الحق الذي يضمن فلاح الإنسانية في فلسفته ونظامه للحياة، فقد استهدف لذلك الطعن والغمز أكثر من غيره في هذا العصر.

ومما لفت أنظار أهل الدنيا أخيرا إلى الإسلام وزادهم إقبالا على درسه، شدة دوي صوته في بلاد الشرق منذ الربع الماضي من هذا القرن، وقيام الحركات المتعددة فيها لإحيائه والدعوة إليه، فصرنا نرى الذين قضوا زهرة عمرهم أجانب عن الدين بعداء عن بيئته الفكرية والعلمية -مسلمين كانوا أو من غير المسلمين- يتكلفون القول في الإسلام من هذه الناحية أو تلك، إما بحثا فيه وإما اعتراضا عليه أو تعييرا له، فيأتون في أقوالهم وآرائهم بالمستطرفات.

أذكر من تلك العجائب والطرف حديثا وقع بيني وبين واحد من زملائي المهندسين، رافقني في القطار في سفر قصير، وهو الأستاذ «خ» الأديب القصصي النابه، من طبقة الأدباء التقدميين في هذا القطر، فما أخذ القطار يجري بين كثبان من الرمل حتى أخذنا في الحديث حول صنوف المواضيع، ولم يلبث أن مال بنا الكلام إلى الإسلام وما جاء به عقيدة وفلسفة وتصور لهذه الحياة وما بعدها.

وهنا استوى الأستاذ «خ» قاعدا والتفت إلي يسألني بجد: هل فكرت يا أخي في تصور الجنة الذي عرضه علينا الإسلام ووضعه أمام أعيننا مطمحا نسعى إليه بالعمل الصالح في الحياة الدنيا هل فيه إلا ما يعجب ذهنية الإنسان القديم Primitive mind أو العقل البدوي الساذج؟ حور وغلمان وجنات وفواكه وغرف وظلال وسرر مرفوعة وأرائك مصفوفة وأكواب موضوعة تجري من تحتها أنهار من اللبن ومن العسل -ماذا في كل ذلك مما عسى أن يستهوي قلب أديب مثقف أو فنان لطيف الروح، في هذا العصر الراقي؟.

قال: وها مثالي أنا بين يديك، فإني أصدقك أن نفسي لا تطمح إلى شيء واحد من هذه الأشياء التي يعدونها من نعم الجنة، فليس أكبر رغبتي في الأشجار أو الأنهار، ولا أكثر شهوتي للبن أو للعسل ولا أقصى أمنيتي حوراء أزوجها، أو غرفة وسط الرياض أسكنها، وإنما أحب شيء على نفسي في الحياة شيء غير هذا كله، وعسى أن تعجب منه، هو أن أكون مع عبقري من عباقرة الأدب العالميين كشكسبير وجوته وكيتس وشاتوبريان، في واد من وديان قصته الرائعة أو في أفق من آفاق شعره الغرامي الفاتن، وبين يدي كوب من الشاي احتسيه كلما غلبني نعاس أو مسني لغوب، فانظر أين هذا كله في نعم الجنة التي ذكر في القرآن، وأي شيء منها عسى أن يشوقني إلى جنة المؤمنين، ولماذا أقيد حياتي بقيود الأخلاق والواجبات سعيا في طلبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت