فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 40
قلت له: أأنت تؤمن بالله وبأنه هو الذي خلق من في الأرض جميعا وما فيها من لذات ومتع؟ قال: نعم ولاشك. فقلت: الذي خلق في هذه الدنيا تلك القرائح والعقول العبقرية وجعل في نتائجها الأدبي ما يفتن نفسا مثقفة مثل نفسك، ألا يقدر أن يهيئ لك ولأمثالك في الجنة كلاما أعلى من كلام شكسبير، وفكرا أسمى من فكر جوته، وشعرا أبلغ من شعر كيتس، وبيانا أسحر للب من بيان شاتوبريان؟.
قال: بلى، ولكن أني يكون ذلك في دار الخلد التي لا ألم فيها ولا شقاء ولا اضطراب ولا إثم ولا مجون، وكل هذا الأدب الذي أنتجته القرائح الإنسانية في هذه الحياة الدنيا إنما منبعه القلب المضطرب، والنفس الشقية، والفكر الحائر والحب الخائب؛ ألا ترى أنه لولا خيبة جوته في حبه لعشيقته «شرلوت» لما فاضت قريحته بقصة (آلام فرتر) ، ولولا شقاء الشعب الفرنسي بعدوان طبقة الحكام والنبلاء لما جاء (فيكتور هوجو) بروايته الخالدة (البؤساء) ، ولولا حيرة الفلاسفة في ماهية هذا الوجود وفي مبدئه ومنتهاه لما جاؤوا بهذا الأدب الفلسفي الممتع.
قلت: إذًا كل هذا الأدب الذي نلتذ به في هذه الدنيا هو أدب الألم والخيبة والمجون، فستعرف في الجنة نوعا آخر من الأدب، هو أدب البهجة والسعادة والإصلاح، يقدر على إنشائه خالق الأدب والأدباء، ولا يستطيع أن يتصوره العقل الإنساني المحدود بحدود هذا العالم.
فقهقه ضاحكا وقال: وأين ذكره في الكتاب أو في الآثار؟.
قلت: أصلحك الله، أما بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرأوا إن شئتم: فلا تَعلمُ نفْسٌ ما أُخفِيَ لهم من قُرّةِ أَعْيُنٍ » . فالذي لم يخطر ولن يخطر على قلبك منه هو ذلك الأدب الإلهي السامي الذي ستراه هناك وتفهمه وتجد فيه من المتعة الروحية ما يفوق متعتك في هذا الأدب الإنساني.
قلت: هذا إذا فرض أن نشأتك الفكرية وحالتك العقلية هذه، ستدوم أبدا ولا تتبدل في اجتيازك هذه الدنيا إلى الآخرة، ولكن من يدري عل الله بقدرته التامة يبدلك بحالتك العقلية هذه حالة أخرى تعود معها تلتذ باجتلاء مناظر الجنة وأكل أثمارها والعيش في غرفها أكثر بكثير مما تلتذ بقطعة أدبية رائعة في هذه الدنيا.
ثم قلت له: يا ليتك عرفت اللغة العربية يا أخي، وتذوقت الأدب الإلهي السامي في القرآن، فرأيت كيف يسبي القلوب ويسحر العقول ...
وما استكملت جملتي هذه حتى وقف القطار على محطة، واقتحم علينا العربة عدد من المسافرين، فاضطرب المجلس وتبدل الجو، ولم نستطع أن نوالى الحديث فأجلناه إلى مناسبة أخرى وسكتنا.
قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصف لأصحابه الجنة وما فيها من لذة ونعيم، فيقوم واحد من الأعراب فيسأله: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ ويقوم آخر ويقول: إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فيهدئ من بالهم النبي ويقول: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى ولكني أحب الزرع.
وجاء طبقات النحاة للسيوطي، أن كان أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي الأندلسي مغرى بكلام الجاحظ وكان يقول: رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا عن نعيمها.
هذه أمثلة من الطبع الحريص المضطرب المسؤول، من تاريخنا الماضي، يقابلها مثال صاحبنا في هذا الزمان، فالطبع هو الطبع في حرصه على استدامة ما يحبه ويألفه من الأشياء في الحياة الدنيا، وذلك دليل على أن الفطرة الإنسانية -في عاطفتها وشعورها- لم تتغير بمرور الزمان، وإنما الذي تغير في الإنسان أو تطور هو درجته العقلية وأسلوبه الفكري، فبينما حمل أولئك المؤمنين السذج هواهم لشيء من متاع هذه الدنيا على أن يتمنوا وجوده في الحياة الأخرى، ويسألوا عن أمره النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجوا أن يثابوا به جنة الله، إذ حمل هذا المسلم العقلي المتفلسف هواه لمتعة من متع هذه الحياة على أن يعيب تصور الجنة في الإسلام وييأس منه، حين لم يجد فيه التصريح بذكر تلك المتعة.
وفي ذلك زل بصاحبنا عقله مرتين، ولم يكن من وراء هذا العقل قلب عامر بالإيمان حتى يقيله عثرته ويعيده إلى سواء الطريق، فضل صاحبنا وغوى وجعل يلغو هذا اللغو ويهذي.
الأولى أنه حمل الكلمات الواردة في القرآن أو في الحديث، في صفة الجنة والنار، على مدلولاتها المفهومية في هذه الدنيا بعينها، فالعنب والنخل والرمان وسائر الفواكه المذكورة في بيان الجنة، تصور منها هذه الأصناف التي نجتنيها في هذه الحياة، وأن منها ما يلذ امرءا ولا يلذ آخر، وكذلك فهم من ذكر وارف الظلال وجاري الأنهار وعالي الغرف في القرآن موصوفاتها التي نعهدها