فهرس الكتاب

الصفحة 1806 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ص 66

على هامش الذكرى الخامسة للثورة الجزائرية: ذكرى للانبعاث الجزائري

للأستاذ أحمد مراد

منذ خمس سنين خلت، بدأ عهد جديد في تاريخ شعب مناضل، استطاع بنضاله أن يحتفظ بكل خصائص العروبة ويعتز بمميزاتها السامية. وعجزت القوة الباغية أن تحوله عن قبلتها، رغم ما عاناه في سبيل الإقامة على عهدها، والتشبث بأسبابها من ويلات ونكبات ..

إن يوم فاتح نوفمبر سنة 1954 هو اليوم الذي وضع فيه هذا الشعب حجر الزاوية في بناء صرح التحرير القومي والانبعاث الوطني. بعد ما قضى أكثر من ربع قرن من الزمن في إعداد التصميم المحكم لإقامة هذا الصرح على أس متين، استمد عناصره الأولى من تمسكه بدينه وعروبته وقوميته.

ففي صبيحة أول يوم من شهر نوفمبر منذ خمسة أعوام، أشارت بعض إذاعات العالم ووكالات أنبائه في شيء من عدم الاهتمام، وقليل من الإكثرات، إلى وقوع بعض الأحداث المنبعثة عن جبال (الأوراس) الشامخة، وإعلام (جرجرة) المنيعة، غير مقدرة يومئذ ما سيؤول إليه وقوع هذه الأحداث، وما سيكون لها من نتائج انقلابية خطيرة في حياة الشمال الإفريقي. وقارة افريقيا قاطبة.

وهكذا ظهر إلى الوجود ذلك الوليد الصغير، الذي يزغ نوره -مع نور الشمس سويا- في ذلك اليوم المنشود، في أفق الوطن الجزائري، كما ينبلج خيط دقيق من الضياء اللامع في وسط جموع من الظلام الدامس المتكاثف، فبعث الأمل في النفوس، وجدد الإيمان في القلوب، وبادر أبناء هذا الشعب -الذين كانوا يترقبون طلعة هذا اليوم يوم الجهاد المقدس بفارغ الشوق، ومزيد من الحنين -بادروا إلى احتضانه ورعايته، ودفع غارة الأعداء عن ساحته. أولئك الأعداء الألداء الذين أزمعوا أن يخمدوا أنفاسه في المهد، وأن يسارعوا بتشييعه إلى اللحد، قبل أن يفتح بصره على نور الحياة. ولكن شاء الله وشاءت إرادة الشعب التي هي من إرادة الله أن ينمو وليد يوم فاتح نوفمبر، كما ينمو النبات في التربة الخصبة، وأن يترعرع عوده، ويشتد ساعده، حتى يشب عن الطوق، ويعظم خطره، وتزداد قوته وبأسه، فيضحي بردا وسلاما على القريب، ونقمة وبلاء على الدخيل والغريب ...

إن مثل ذلك الوليد هو مثل ثورة التحرير الجزائرية، التي أوجدها الله من ضعف، ثم جعل لها من بعد ضعف قوة، ومن بعد غربة وعزلة أنصارا ومؤازرين. وها هي اليوم، وبعد خمسة أعوام طويلة قطعتها من عمرها المحفوف بالمخاطر والصعاب، قد بلغت قمة الظفر، وارتفعت على سواعد الأبطال، إلى ذروة المجد والسؤدد، وسجلت للعروبة وأبنائها صفحة جديدة في سجل الخلود الإنساني، ستبقى -على البد- مفخرة الأجيال بعد الأجيال، ومأثرة خالدة تضرب بها الأمثال.

(مجد سيذكره التاريخ للعرب

دوما ستعزفه الأجيال ألحانا)

لقد أقر الخصم وارتفع النزاع .. نعم لقد اعترف (الخصم ... ) قبل الموالي ببطولة وشجاعة أولئك الرجال الأفذاذ الذين اعتصموا -منذ خمس سنين- بجبال الجزائر الشاهقة، ليرفعوا فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت