فهرس الكتاب

الصفحة 4940 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 ص 40

نحو تجديد محتوى ثقافتنا القومية

ثمن الأخطاء

بقلم الأستاذ: محمد زنيبر

عالم الأجداد

ظل أجدادنا، أمام تزايد النفوذ الأروبي، مترددين في القيام بالإصلاحات النورية التي كان يتطلبها الوضع والتي بدونها لم يكن للمغرب سبيل لإنقاذ نفسه من الأخطار المحدقة به. والذي جعلهم يؤثرون السكون والركود أنهم كانوا يعتقدون، عن حسن نية في الغالب، إن معارضتهم لكل ما هو آت من أروبا هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد ماديا وروحيا ولصيانة كيانها واستقلالها. وقلة معرفتهم بأروبا وبسياستها وأساليبها الاستعمارية جعلتهم لا يتصورون الاستعمار في شكله الحقيقي فيتكهنوا بالأحداث المقبلة ويستعدوا لها ويروا الأجنبي يغير على أرضهم ويكتسحها شبرا بعد شبر.

بل إن الذي كانوا يخافون منه، حسب ما تبديه قرائن عديدة، هو الغزو الفكري الأروبي. فتلك بداية لمغامرة عقلية الله أعلم بنهايتها. وأقل ما يترتب عنها زعزعة العقائد الراسخة والعادات والتقاليد الثابتة. فإذا افترضنا أن الباب سيفتح قليلا ليدخل الهواء الجديد، فهل يمكن إغلاقه من بعد.

والحق أن أجدادنا كانوا يلحظون المغرب بعين ملؤها الرضا والارتياح: بلاد تؤدى فيها العبادات لله، وتعمر فيها المساجد ويقبل أهلها على الحياة بقناعة راضين بقسمة الله وتدر عليهم أرضها الخصيبة نعما وخبرات. فماذا يطلب الإنسان بعد هذا؟ وما شأن المغرب وشأن أقوام كفروا بالله وراحوا يقلدون الصانع المبدع، فيغيروا ويبدلوا في الأشياء ويتكالبوا على زخرف الدنيا ومتاعها؟

تلك هي حكمتهم البسيطة التي كانوا ينظرون بها إلى الأشياء والتي كانت تسهل عليهم الحياة وتقلل لهم من مشاكلها وتصرفهم عن جوانبها المعقدة المتشعبة. وطبيعي أن يخشوا عليها من الأفكار المتنطعة التي ترد من أروبا والتي من شأنها أن تخرجهم من أحلامهم المألوفة إلى واقع أقل بشاشة وبشرا، واقع ينتزع الإنسان من مستراحه ويخلق له المشاغل من كل نوع. لقد كانوا يعيشون في عالم خاص يختلف كل اختلاف عما يحيط به من عوالم، عالم كيفه التاريخ والتقاليد وكيفته أنظمة سياسية واجتماعية من نوع فريد. وزاده طرافة خيال الإنسان الذي يعيش بعاطفته منقادا لها راضيا بما عنده غير متشوف لما عند الغير. فهو عالم لا يوجد له نظير إلا في عهود التاريخ القديم. وهو لبعده عن العصر وعن الواقع لا يكاد يرى إلا في الأحلام العميقة أو النشوات الطويلة وليس ببدع أن يولع الفنانون والشعراء والكتاب الوجدانيون، من أمثال «بيير لوتي» وغيره، بالمغرب فيتهافتوا عليه معجبين بجوه الطريف ويرسموا مشاهداتهم في كتب أو صفحات تذهب بالقارئ بعيدا عن محيطه المألوف.

وإن الأفكار الجديدة التي بدأت تتوارد من أروبا سالكة كل الطرق كانت نذيرة بنهاية عالم. ونهاية عالم هي دائما مأساة يصعب الحضور عليها ومشاهدتها. وقد كان من العسير على أجدادنا أن يروا عالمهم الذي ألفوه وعاشوا فيه دهرا ينهار من حواليهم ليدخلوا في مغامرة لم يكونوا متأهبين لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت