فهرس الكتاب

الصفحة 4941 من 5287

الخطوة المنتجة التي تخلى عنها المغرب

ومع ذلك، فقد كان سير التاريخ يفرض هذه المغامرة. فإذا كانت العاطفة والهوى والعادة توحي أحيانا بالركود والهدوء، فإن إرادة الحياة تتطلب الحركة والتطور والسير دائما إلى الإمام. وكم شعب غاب اليوم عن وجه التاريخ لأنه أراد أن يحيا خارج الزمان!

ولو أهتدي أجدادنا إلى التفكير القويم وتدبروا الواقع بحصانة وبعد نظر لفهموا إن إنقاذ المغرب هو في الاستفادة من حضارة أروبا وعلمها وتجاريها لا في الجمود والتعصب. وقد كان اليابان مثل المغرب يعيش منطويا على نفسه وتقاليده. ثم بدأ هو أيضا يستيقظ في أواسط القرن الماضي. إلا أنه لم يتردد في تدارك ضعفه ومعالجة أدوائه. فتتلمذ على أروبا مدة قصيرة. وما هي إلا سنوات حتى أصبح دولة قوية لها وزنها في العالم ومقامها بين الدول وشخصيتها وحضارتها ومميزاتها.

وقد كان في مستطاع المغرب أن يتقدم بنفس الخطوات ويتخذ لذلك العدة الضرورية فيصبح هو أيضا في أواخر القرن المنصرم دولة ذات مناعة وقوة تعتز بحاضرها كما تعتز بماضيها وتفرض على الطامعين في احتلالها واستعمارها ما يجب من الاحترام والمهابة. ولكن الجمود والتعصب حجبا الحقائق النافعة عن أعين الطبقة المسيرة والمتعلمة وكانا سببا في النكبات التي عاشها المغرب من بعد. وهكذا يوضح لنا التاريخ أن الغلو في المحافظة والانكباب على الماضي قد يضيع معهما كل شيء وأن شيئا من الأقدام والجرأة قد تكون هي الوسيلة لصيانة كيان الأمة وحفظ أمجادها التاريخية وضمان مستقبلها. وما هذا إلا مثال حي عن الجدلية التاريخية التي طالما تحدث عنها الفيلسوف «هيجل» في كتبه.

على أن أجدادنا لم يكونوا يدافعون عن جمودهم ومحافظتهم لحجج عاطفية فقط. بل كانوا يفسرون موقفهم بعلل سياسية واجتماعية وثقافية. فنحن نترك للمؤرخ الذي تقتضي مهمته ـ أن يرسم صورا كاملة عن الماضي أن يحيط بكل تلك العلل. وسنكتفي نحن، في نطاقنا المحدود، بأن نبين الأخطاء الفكرية التي كان أجدادنا يعتبرونها من المسلمات والتي كانت تقود خطاهم في مختلف أوجه نشاطهم. والواقع أنها كانت تضع أمامهم سدودا وحواجز أكثر مما تفتح لهم الطرق وتثير لهم السبل.

حجة الدين

وأهم حجة كان يرتكز عليها أجدادنا للدفاع عن جمودهم وتعصبهم هو الدين. وكانوا يعتقدون أنهم، في سائر تصرفاتهم، أوفياء للقرآن والحديث وتعاليم الأئمة الكبار.

ولكننا عندما ننظر إلى الإسلام في نصوصه الصحيحة الثابتة وندرسها بتحر وموضوعية، لا نجد مطلقا أنه يؤيد الجامدين في جمودهم أو يمنع عن المسلمين الاستفادة من غير المسلمين والتعلم عليهم ولا يقف حجر عثرة في طريق التطور والتجديد. بل إن فيه مبادئ ثورية لم تطبق إلا في فترات قصيرة. فمبدأ المساواة مثلا لو فهمه أجدادنا فهما صحيحا وعملوا به وطبقوه في حياتهم العمومية والخصوصية لكان عاملا من عوامل ازدهار المجتمع وتقدمه وتماسكه ولكانت أنظمتنا السياسية والاجتماعية تتسم في كل العهود بطابع الديموقراطية. ووضعية المرأة كما حددها الإسلام تختلف في كثير عن الوضعية التي كانت توجد عليها في مجتمعنا. لقد أدخل الإسلام المرأة في المجتمع كعضو عامل له حقوق وعليه واجبات يتعلم ويدير ويبدي رأيه في كل الشؤون. ولكن مجتمعنا المتأخر الجامد فرض عليه الجهل وعلمه الخضوع والخنوع وجرده من شخصيته. ومن تعاليم الإسلام أيضا أن المسلم لا معبود إلا الله وأن عبادة الأصنام والأشخاص أمر محرم. ولكن مجتمعنا أوجد إلى الأولياء وأصحاب المزارات والقباب. ومن تعاليم الإسلام الاتكال على النفس والعمل الشخصي بعد الاتكال على الله، لكن التقاليد الاجتماعية أدى بها التراجع والانحطاط إلى أن تجاهلت السبب والمسبب ونشرت نوعا من الاستسلام للقدر والتخلي عن المجهود والكد.

بحيث ان الإسلام كان يتمثل للملاحظ الموضوعي في صورتين"صورة واقعية تطبيقية ترتبط بحياة المجتمع اليومية ويتصرف الناس وسلوكهم، وصورة نظرية مجردة بجدها في النصوص المقدسة وفي كتب بعض العلماء الذين حاولوا أن يفهموا فلسفة الإسلام العميقة. وقد أصبحت هاتان الصورتان في عهود الانحطاط متباعدتين عن بعضهما تباعدا واسعا."

وسيطول بنا الكلام لو حاولنا أن نعرف بالتدقيق مسافة الخلاف بين الإسلام النظري والإسلام المطبق، وخاصة في العهود المتأخرة. فهذا موضوع قد تعرض له بكثير من التفصيل والخبرة رجال الإصلاح ودعاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت