دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 38
للأستاذ: محمد الروداني
وهذا الحب الذي ما زال هو هو بتصرفه القوي في هذه البشرية منذ كانت وكان، ألم يأن لنا أن نجوس خلال كوالسه، أو رحابه وأبهائه، إن كان للإحرام المقدسة كوالس، أو رحاب وأبهاء، ونسائل جلاله وقداسته هل أفاد البشرية شيئا أو استفاد منها.
وإن الحديث عن الحب عجيب ولذيذ، لا تكاد الأذن تسمعه حتى تستلذه فيستهويها، كأنما هي مقودة إليه بمقاود من حديد، ولا يكاد القلب يشعر به حتى ينصاع إليه ويتفتت، كأنما مسه بإكسير من كمياء أو نفثة من سحر.
وقد أصبح عند الناس عنوانا على لطافة الطبع، وسلامة الذوق، وسمو الروح، وحسن الخلق، وذكاء الذهن ينظرون إلى المحبين والعشاق بعين الرضى، ويضفون عليهم الإعجاب والإكبار، حتى شاع ذلك فعبر عنه الشعراء فقالوا:
وما الناس العاشقون ذوو الهوى ولا خير فيمن لا يود ويعشق
وقالوا:
وما سرني أني خلي من الهوى ولو أن لي ما بين شرق ومغرب
وقالوا:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
فما العشق إلا ما تلذ وتشتهي وإن لام ذو التعنيف فيه وفندا
إلى غير ذلك مما تزخر به آداب لغتنا العربية فأحرى آداب غيرها من اللغات.
ومن العجب أن العشاق صاروا عند الناس أشبه شيء بالأثرياء، إذ الناس يحترمون الثري ولو لم يكن لهم مطمع في ثرائه، وكذلك يرحمون العشاق ويرثون لحالهم ولو لم يكونوا عشاقا مثلهم، فتراهم يستبشرون لأفراحهم، ويستاؤون لأحزانهم ويرتاحون لأخبارهم فيرحمونهم في الشدائد والنكبات، ويغبطونهم عند المسرات والرغبات، فلا ألذ للنفوس من سماع أحاديث المحبين، وقراءة أخبار العاشقين، ومشاهدة أشرطة مغامرات المتيمين كأنهم يرون أن بذلك تتنزل الرحمات، وتنفرج الأزمات.
وقد جر هذا التقدير كثيرا من الناس إلى أن أصبحوا محبين بالتقليد لا بالوجدان، فكلما أبصر إنسان وجها صبيحا أراد أن يكون فيه المجنون، وكلما عرمت الأنوثة بامرأة حاولت أن تكون ليلاه العامرية.
وقد ساعد الحظ هذا الحب، فظفر من بين ضحاياه بعباقرة تمكنوا من التفنن في التعبير عما يخالجهم منه، وهؤلاء الضحايا هم شعراء العشاق، فجسموا تلك الأحلام حتى كادت الأيدي تتقراها باللمس، وشخصوا تلك الأخيلة حتى ليكاد الإنسان يجاليها ويحادثها، وألبسوا ما قالوه في ذلك حلة من جمال الفصاحة وسحر البيان ورونق الأسلوب، باختيار أسمى المعاني والأفكار وصوغها في منتقى الألفاظ، فجعلوها تقتحم على القلوب سويداءاتها، وتلج على النفوس قراراتها، وبعد أن لم يكن هدفهم من ذلك سوى التعبير عن أحوالهم الخاصة، أصبح صناعة لهم وفنا يرخون فيه الأعنة للمباراة والتنافس، واضطر من ليس منهم بعاشق إلى أن يتعاشق، حتى لا يخلو كلامه من التوجع والاسترحام، وأصبح كل مطلع على إنتاجهم منساقا معهم أحب أم كره، لما يتضمنه ذلك الإنتاج من الحفز والإغراء، والحث والإستهواء، خصوصا إذا صادف في قارئه ذكاء في الذهن، ورقة في الشعور، ولينا في الطبع وميعا في الإرادة، وتساهلا في الدين، فإنه يجرفه معه ويصيره بطلا في رواية الغرام، بعد أن لم يكن فيها سوى من النظارة، فمن ذا الذي يسمع أو يقرأ:
[مجلة دعوة الحق السنة الأولى 7/ 1/ 38]