فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 39

وجاءت إلى ستر على الباب بيننا يخاف وقد قامت عليه الولائد

لتسمع شعري وهو يقرع سمعها بوحي تؤديه إليها القصائد

إذا سمعت مني نفيسا تنفست له نفسا تنقد منه القلائد

ثم لايتمنى أن يكون صاحب ذلك الوحي الذي تؤديه القصائد؟ أو من التي تسمعه ثم لا تتمنى أن تتنفس إن سمعته نفسا تنقد منه قلائدها؟

أليس أن الأبيات صورة طبق الأصل، متناسقة الخطوط والأبعاد والألوان، تمثل مشهدا من مشاهد الإغواء والإغراء، تكون الولائد القائمات على الباب المخوف أول من يمثله ويحاكيه؟ فهو أشبه شيء بقول ابن أبي ربيعة:

فَما أَنسَ مِلأَشياءِ لا أَنسَ مَوقِفي وَمَوقِفَها وَهنًا بِقارِعَةِ النَخلِ

فَلَمّا تَواقَفنا عَرَفتُ الَّذي بِها كَمِثلِ الَّذي بي حَذوَكَ النَعلَ بِالنَعلِ

فَسَلَّمتُ وَاِستَأنَستُ خيفَةَ أَن يَرى عَدوٌ مَكاني أَو يَرى كاشِحٌ فِعلي

وَقُمنَ إِلَيها كَالدُمى فَاكتَنَفنَها وَكُلٌّ يُفَدّى بِالمَوَدَّةِ وَالأَهلِ

فَقالَت وَأَرخَت جانِبَ السِترِ إِنَّما مَعي فَتَحَدَّث غَيرَ ذي رِقبَةٍ أَهلي

فَقُلتُ لَها ما بي لَهُم مِن تَرَقُّبٍ وَلَكِنَّ سِرّي لَيسَ يَحمِلُهُ مِثلي

أليس أنه حبالة محبوكة من الإغراء والمخاتلة لاصطياد قلوب العذاري، «والعذاري يغرهن الثناء» ، وقديما قال بعض المتورعين من معاصري ابن أبي ربيعة قولته المشهورة: «ما دخل على النساء في خدورهم أضر عليهن من شعر ابن أبي ربيعة» ، وما ذلك إلا لما استشعره في مثل هذا الشعر من هدم للأخلاق، وهتك للأعراض، وتقويض للبيوت وتشتيت للأسر، اللهم إلا أن يكون في إمكان الأجساد أن تجتمع مع تتشتت أهواء القلوب، وذلك ما يأباه على الإنسان طبعه الاجتماعي، إلا أن يتحول فيه هذا الطبع إلى شيء من اللامبالاة، فلا عليه إذ ذاك.

وقبل أن نضفي على هذا الحب من التقديس والإجلال ما يضفيه عليه الخياليون والمغلوبون على أمرهم أمام سلطان الشهوات، ومطاردة الملذات، ينبغي أن ننظر إلى أصله ومبعثه، فلا شك أننا لا نجد له عند الإنسان أي دافع أكثر مما عند غيره من الكائنات الأخرى، فهو جهاز جهزته به الطبيعة لاستمرار العمران والمحافظة على النسل. وليتعمق الإنسان في الدفاع عن الحب ما شاء، فإنه لن يجد أي حجة يفصل بها بين حبه وشهوته، وإلا فلماذا لا يقول الشعر في حبه لأولاده ووالديه وأساتذته؟ بل قلما يقوله حتى في شريكة حياته أم أولاده، فإنها حتى ولو كانت أجمل نساء العالمين قلما يكون لها حظ من الحب بله من الشعر بعد الاتصال والمعاشرة.

ولينتحل الإنسان للحب كل ما شاء من المبررات والأعذار فإنه لن يعدو قول ابن الوردي:

وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرا جلل

تجد الشيخوخة والهرم، وتغير الملامح، وتبذل المحاسن، وتحول الأحوال، ثم الموت فالتعفن فالفناء، إلى أن يخرجوا منها تارة أخرى.

وإذا استفادت الإنسانية شيئا من هذا الحب، فإنما هو هذه الثروة الهائلة من المعاني والأفكار، المسجلة في الأغاني والأشعار، والقصص والأخبار، التي إذا قرأها القارئ خرجت به عن عالم الحس إلى عالم الأحلام، فيعيش بها هنيئة حلوة لذيذة تستسلم فيها نفسه لتأجج العواطف الملتهبة، والخيالات المتوثبة وشذى القلوب المتحرقة، ورجع الزفرات والآهات المتصعدة، ثم لا يلبث أن يرق فيرحم، ثم يحبذ فيعطف، ثم يستحسن فيقلد، ثم يسير في النهاية مع ركب العشاق، وينضاف إليهم كما تضاف الحبة المتفتتة من الصخر الصلد إلى رمال الصحاري المتبعثرة، فأصبح المتعاشقون أوفر من العشاق، وصار كل من دعاة الداعي الطبيعي يريد أن يكون بطلا من أبطال الحب وشهيدا من شهداء الغرام، حتى كأن الناس كلهم قيس وليلى أو روميو وجولييت.

وإذا تأملنا ما تفيدنا إياه هذه الثروة الهائلة من لطائف الحب ونوادره، وأخباره السارة، وأشعاره المرقصة، ومغامرات أصحابه الرائعة، وما خلدوه بين جميع الأمم والشعوب من مثل عليا، وتضحيات جلى، فلا نجد أنها تفيدنا أكثر من كونها مدرسة مشوقة تحث الشباب على التخرج في الحب والغرام، إن لم نقل في العتاه والجنون، فأبرز المحبين والعشاق في نظر الإنسانية هم أولئك الذين تفانوا في هذا السبيل واستسلموا لسلطان الهوى يتصرف فيهم بكامل الحرية.

وكأنك ترى معي أيها القارئ الكريم أن للشباب اليوم مهام أخرى تنتظره غير إضاعة الوقت في الخيالات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت