فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 40

ولكن الحقيقة التي أفادتنا إياها تجارب البشرية والتي احتفظ لنا بها تاريخ الإنسان، هي أن الطريق قد شقه السابقون فسلكه اللاحقون، وسيظلون كذلك إلى يوم الدين، وحبذا لو أمكن وضع تلك الثروة الأدبية الفكرية كلها في متحف خاص يمنع دخوله على من تخشى عليهم الفتنة، كما يعبر الفقهاء.

ومن العجب أننا نعيش اليوم عصرا طغت فيه المادة فجر طغيانها إلى طلب المتعة والاكتناز في كل شيء، فاتخذنا لكل نوع من أنواع المتعة لونا خاصا واسما خاصا نتسلل تحتهما إليه، فصبغنا التمتع الشهواني بلون العاطفة وسميناه الحب، فاستسلمنا له بدون تعقل ولا تبصر «ثم لا يزيدنا الورد فيه إلا عطشا» ، فزخرت مقروءاتنا بأخبار الحب والهيام، وأشعارنا بالإغراء والمجون، وأغانينا بالتهتك والاستهواء، وأشرطتنا السينمائية بالخلاعة والنساء، حتى أن الإنسان ليبحث عن مشاهدة شريط لا دخل للمرأة فيه فلا يجده حتى ولو كان علميا أو صيانيا، كأن جميع دواليب الحركة البشرية قد تعاهدت على الوقوف عن الدوران إن لم تتدخل المرأة في شأنها.

ومن أين تسري الفضيلة لنشء يجد الفتنة في الكتب، ويتعلمها في الرسم، ويقرؤها في الشعر ويسمعها في الأغاني، ويشاهدها في الأفلام؟ أفلا يكون معذورا إذا شاهدناه متناجيا متخاصرا في منعطفات الشوارع، وعلى قارعة الطرقات، مما يجعل الإنسان يتهم نفسه ويسائلها هل تقدمت الإنسانية شيئا عن عهدها البدائي أولا؟ ويظهر أن البدائيين كانوا أضبط لعواطفهم منا، إذ لم يعرفوا إذ ذاك التفنن في تطلب اللذة والاستهتار في التمتع، أو ليس أن تسمية هذا النوع من الحب بالخلاعة أليق وأنسب من تسميته حبا؟ أو ليس أن «النجوم» في هوليود وغيرها من عواصم الفن والجمال يعشقون بسهولة لا تشبهها إلا سرعتهم في التسلي والتحول، حتى أنهم كثيرا ما يوثقون عرى حبهم بالزواج ولكنه سرعان ما تنفصم عراه، فيقرأ كل منهم على صاحبه قول صفي الدين الحلي:

تنقل فلذات الهوى في التنقل ورد كل صاف لا تقف عند منهل

ففي الأرض أحباب وفيها منازل فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل

ومن العجب أن الإنسان يسائل نفسه عندما يرى مرح هؤلاء المتناجين المتخاصرين عن الدوافع لهم إلى كل هذا الإقدام، وعن مقدار تفهمهم للآداب العامة، والحياء الاجتماعي، فلا يجد لهم عذرا سوى أنهم متأثرون بالأخلاق الأوروبية التي تخلقوا بها عن طريق القراءة أو المجاورة، أو عن طريق التقليد المحض، ورضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب الذي رأى رجلا يكلم امرأة فعلاه بالدرة، فقال: يا أمير المؤمنين إنما هي امرأتي، فقال له: فلم تقف مع زوجتك في الطريق تعرضان المسلمين لاغتيابكما؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين: الآن دخلنا المدينة، ونحن نتشاور أين ننزل، فرفع إليه الدرة وقال: اقتص مني يا عبد الله. فقال: هي لك يا أمير المؤمنين، فقال: خذ واقتص، فقال بعد ثلاث: هي لله، قال عمر: الله لك فيها. وإذا كنا تلامذة مخلصين لأساتذتنا الأوروبيين العصريين في هذا النوع من الحب، فلنعترف مخلصين أيضا أننا لسنا تلامذتهم في الحب من أساسه، إذ هو كما قلنا تمديد وتمطيط للغريزة الطبيعية، والبشر كلهم فيها سواء، لأن هذا النوع من الحب الخليع لم يكن معروفا عند العرب، وإذا كنا ندعي -كما يدعي غيرنا- أن ذلك يساعد الشباب على الزواج الباكر، فإن التجارب قد أثبتت أن هذه الدعوى محض خرافة سئمنا سماعها، لأن الحوادث المخجلة الناتجة عن هذه المقدمات خيبت الآمال، وألف الناس في خيبتها المجلدات.

كما أننا إذا كنا ندعو متحمسين إلى تزويج الفتاة بمن أحبته واختارته، استسلاما منا لتقليد الأخلاق والعادات الأوروبية، فينبغي أن لا نتباله عن كون الفتاة لا تستطيع مقاومة الانخداع لعاطفتها والتغلب على ضعف أنوثتها لتحسن الاختيار لنفسها، ومن هنا حظرت عليها الشريعة عقد النكاح على نفسها، كما أدرك منها ذلك أجدادنا العرب، الذين لم يحفظ التاريخ عن عشاقهم إلا الوفاء والثبات على العهد، ولم يكونوا ذواقين مذاقين، فلم يكونوا يسمحون بتزويج فتاتهم ممن اشتهر حبه لهن، اتقاء لما عسى أن تجره من العار أسبقية الاتصال و (الا فريكانطاسيون) ، والراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه:

فالمنايا ولا الدنايا وخير من ركوب الخنا ركوب الجنازة

وان أكثر ما لدينا من رصيد الشعر الوجداني صادر عن التباع قلوب أصحابه بحرمانهم من التزويج بمن شببوا بهن، وفي مقدمتهم مجنون ليلى نفسه.

ومما يخفف من تحمسنا للزواج المبني على الحب وحده ما نشاهده كثيرا من حدوث التنافر بين القرناء الذين يبنون اقترانهم على الحب، فلا يلبثون أن يتنكر بعضهم لبعض بعد أن يقضي وطرا من صاحبه، ثم يحل الاختلاف والجفاء، محل التوادد والصفاء، ثم بعد الافتراق الذي كثيرا ما يكون نتيجة المآسي يكفر كل واحد منهم عن زلته باختيار شريك آخر لحياته اختيارا مبنيا على التروي والتبصر، ومن حكم أسلافنا قولهم: «زواج ليلة، تدبير عام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت