فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /ينايرر 1958 ص 41

وإن المشاهدة قد علمت الناس أن أكثر الزيجات ثباتا على طول الزمان هي المبنية على الاحترام والتراحم، والرغبة من أول يوم في مقاسمة حلو الحياة ومرها، وفي التعايش الواقعي الذي لا تشوبه شائبة من الخيال.

أما إذا أكرم الله أحد الزوجين بخصلة خلقية يحتمل بها صاحبه على علاته، فإن ذلك هو الدعامة القوية لتوطيد أواصرهما، وهو مصداق قول الله تعالى: «وجعل بينكم مودة ورحمة» وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طلق زوجته فقال له: ولماذا طلقتها؟ فقال: إني لا أحبها يا أمير المؤمنين، فقال له رضي الله عنه: ويحك، أكل البيوت يبنى على الحب؟ وأين الرعاية والتذمم؟

وبعد فليس هذا الحب الذي أبرق به الكتاب المرتزقون والشعراء المتخيلون إلا حديث خرافة مبناه على الشهوة وأكثر من يصاب به الشباب الذين لم يستكنهوا بعد كنه الحياة فظنوها وردا لا شوك فيه ولا سبيل لهم إلى التروي والتريث، لأنهم مسوقون إلى ذلك المصير بقوة الغريزة، وجدة النشاط، وهموم الصبا، وقد حلل كل ذلك أبو الطيب المتنبي وأدمجه في قوله:

وَما العِشقُ إِلّا غِرَّةٌ وَطَماعَةٌ يُعَرِّضُ قَلبٌ نَفسَهُ فَيُصابُ

وذلك كل ما يستطيع التحليل أن يستخلصه من فكرة الحب، فإنها نظرة اغترار، ثم طمع شهوة، ثم اهتمام ووسواس، وبذلك يكون القلب قد عرض نفسه فأصيب.

وإذا كان في الناس من يستطيع أن يفاخر بأن التتيم من صفات الإنسانية الكاملة، أو أن هذه الإنسانية قد استفادت من هذا الحب الذي دللها وأغواها حتى أرخصت في سبيله كل غال عليها ولو كان من الأخلاق والمروءة، فإن ذلك منهم محض مغالطة، لأن الإنسانية الكاملة هي التي تستطيع ضبط نزواتها وغراراتها، وإلا فإنها لا تزال إلى الحيوانية العامة أقرب منها إلى الإنسانية الخاصة.

كما أننا إذا أردنا أن لانتجاوز الواقع لا بد أن نعترف بأن الحب هو الذي استفاد من الإنسانية بدل أن تستفيد هي منه، لان كل عمله هو نحوها هو أنه ألهب فيها جذوة كانت الطبيعة قد خبأتها فيه لتقدحها عند الحاجة فقط، فجنى عليها بإخراج تلك الجذوة عن حدود الطبيعة، في حين أن الإنسانية قد أشادت به وأضفت عليه من حلل الزينة والرونق واللطف في الأغاني والأغاريد والأقاصيص والأسمار، وفي التماثيل والنقش على الأحجار، ما ضمنت له به الخلود والتقديس، وما لا نظن أنه ظفر به عند غيرها من المخلوقات.

وإننا في انتظار اليوم الذي تتخذ فيه الإنسانية أنجع الوسائل لإنقاذ الشباب من هذا الداء العياء الذي نسميه الحب، والذي يعوقه عن التقدم الفكري والروحي، ويقطع عليه الطريق نحو السمو الذي ينتظره والذي خلق له.

وأما هذه الأشعار الحلوة اللذيذة الأخاذة التي يقولها المحبون في الحب والأحباب، فليس لنا أن نسلمها على أنها حجة لاستحسان ما استحسنوه، لأنها تصدر منهم في أوقات يفقدون فيها التوازن الذي هو شرط في إصدار الأحكام، وصاحب الحاجة أعمى كما يقولون، ومن ثم كان لاصوت له فيما أعمته حاجته عن التبصر فيه.

وإن البيتين الواردين في صدر المقال وهما: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى الخ، واللذين سمعنا الأدباء يستشهدون بهما على سداد رأيهم، وينتقلون بهما في مجالس أنسهم لتلذيذها، لا يصلحان حجة، لأنهما قد قيلا من أول الأمر بقصد الإغراء والتدليس، فهما من قصيدة طويلة أعلن بها الشاعر الأحوص المعروف المغنية حبابة على إفساد توبة الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك ورده إلى حظيرة المجان والمتهتكين بعد أن كان قد تاب وهجر تلك المغنية ولهوها، فبعثت إلى الأحوص تستنجده على إغواء الخليفة فأنجدها بهذه القصيدة، فترصدت له في مقصورتها وقت الخروج للصلاة فجعلت تغنيها فاستوقفه الصوت؛

وذو الشوق القديم وإن تسلى مشوق حين يلقى العاشقين

كما يقول عمر بن أبي ربيعة، فلما بلغت المغنية ذينك البيتين لم يشعر يزيد حتى اقتحم عليها المقصورة وأمر من يخرج للصلاة بالناس، واعتكف هو على (التوبة من توبته) كما قال شاعر الحمراء رحمه الله.

وقد أقر أحد هؤلاء الشعراء، في البيت الثاني من البيتين التاليين بأن ما هو فيه قد غطى على بصره عن أن يرى الأشياء على حقيقتها فقال:

قالت وأبثثتها وجدي وبحت به قد كنت عندي مكان الستر فاستتر

ألست تبصر من حولي فقلت لها غطى هواك وما ألقى على بصري

وتشكك آخر في أمره فسأل نفسه قائلا:

أمغطى مني على بصري بالـ ـحب أم أنت أكثر الناس حسنا؟

ويرحم الله سلطان العاشقين الشيخ عمر بن الفارض إذ جعل مطلع إحدى كبريات قصائده:

هو الحُبّ فاسلم بالحشا ما الهَوى سهلُ فما اختارَهُ مُضْنى به وله عقْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت