فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 ص 80
حملت هذه الرسالة هدية صديق لصديقه في طلعة العام الجديد، ونظرا لاختلاف هذه الهدية عن الهدايا الأخرى، ونظرا لما تحمله بين سطورها من سمو روحي كريم رأينا أن نقدمها بدورنا لأصدقائنا القراء كهدية ثمينة تجعلنا ننتظر جميعا مع الكاتب الموعد المنتظر لتغلب الروح على المادة في مستهل القرن القادم ...
«دعوة الحق»
مهما كانت أعباء الزمن ثقيلة، وأوزار الأيام جسمية ومتعبة، ومهما كانت تأثيرات الأحداث مرهقة وتفاعلاتها مضنية، فغنها لن تستطع إطلاقا أن تحول دون تلك اللحظة الفاتنة تلك التي يلتقي فيها صديقان فجأة، ولو بواسطة كتاب .. ولن تكون عائقا أبدا في أن أتناول القلم لأخط لك تحياتي ومتمنياتي بمناسبة السنة الميلادية الجديدة.
ولم تكن متمنياتي لك بالمال الوفير، ولم تكن بالمسكن الفاخر والملبس الأنيق والمأكل اللذيذ، ولم تكن أيضا بالمنصب الرفيع ..
وإنما كانت متمنياتي لك هي السعادة الكاملة واللذة الدائمة الكامنتين في كنه أسرار الكون وبين طيات الوجود .. ولم تكن تلك السعادة ولا تلك اللذة، غير، هناءة الضمير وراحة البال ...
فهذه هديتي المتواضعة إليك ونحن على عتبة الزمن نستدبر سنة .. ونستقبل أخرى، والعواصف تقصف في أرجاء العمر، والعوام المتناثرة تتساقط على الأرض كأوراق الخريف الذابلة الفانية ولكن بغير براعيم تعقبها ولا أكمام تتلوها، ولا ربيع يفتحها وينديها ..
هذه هي هديتي إليك في طلعة عام جديد ولربما تستصغر هذه الهدية المتواضعة، غير أنها هي أثمن ما لدي، وأغلى ما أملك، وأفخر ما اعتز به.
أخي: ليتسابق الناس على اقتناء النفائس المزركشة والجواهر البراقة والذهب المنحوت، والماس المرصع ليقدمها الصديق لصديقه، والقريب لقريبه، إن هذه الهدايا جميعها لا تعدو في جوهرها أن تكون مجرد هدايا مادية ملفوفة في كلمات واهية ... لأن المادة يا أخي مهما أضفى عليها (ماركس) من حلل علمية ومنطقية ومهما استطاع العلم التغلب عليها وأخضعها للعقل فغنها في النهاية لابد لها من أن تنحدر بالقافلة البشرية إلى بؤرة الحقارة الإنسانية مهما حقق الإنسان المستحيلات في عالم الحضارة المادية، لأن المادة تظل بمفردها كإرادة سفلى في معزل تام عن الإرادة العليا، تلك التي كانت وستبقى دائما المصدر الوحيد للحضارات الروحية الخالدة.
لهذا كانت هديتي إليك غير هدايا الناس جميعا.
ولو قدر لهذه الرسالة أن تحفظ في سجل مذكراتك إلى ما بعد 40 سنة، حيث تكون البشرية قد استطاعت الخلاص من أغلال المادة -أي بعد الاهتداء بواسطتها إلى الحياة التي تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها -وتكون هذه الحياة قد استفاد من مؤثرات وتفاعلات المادة لتقويم مفاهيم القيم وإبراز مدلولها الحقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات، أي يوم تستطيع قافلة البشرية أن تحيا من جديد -بعد أن هدها المد والجزر- وقد تخلصت من (القلق) لتعيش أمام الحياة .. والحرية سواء.
لو قدر لنا يا أخي أن نعيش إلى ما بعد أربعين سنة، وقدر لهذه الرسالة ألا تنالها عوامل البلى، فستكون خير شاهد على أن تخميناتنا بأن عصر المادة أسهم بنصيب وافر في إشراقة الروح من جديد كانت صادقة لحد بعيد ... وأخيرا أصافحكم بحرارة ولرسالتنا الإنسانية الخلود ... وإلى اللقاء.
عبد الله السعداني