فهرس الكتاب

الصفحة 1672 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 ص 34

بقلم محمد بن تاويت

وردت هذه الكلمة في الشعر الجاهلي بمعنى المجالس ففي شعر زهير نجد هذا البيت:

وفيهم مقامات حسان وجوههم

وأندية ينتابها القول والفعل

ثم وردت في نصوص أخرى إسلامية بهذا المعنى أو الوقفات التي يقفها الوعاظ والزهاد بين يدي الملوك والولاة ففي كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة المتوفى سنة 276 نجد فصلا بهذا العنوان (مقامات الزهاد عند الخلفاء والملوك) وفيه يأتي بكثير من مجالسهم ووقفاتهم.

كما نجد من بين رسائل البلغاء - التي جمعها كرد علي- رسالة لإبراهيم بن المدبر المتوفى حوالي سنة 270 يقول فيها: (انظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب) . ويظهر من هذا أنه قصد بالمقامات ما قصده بها معاصره ابن قتيبة. على أنه مما تجب ملاحظته في هذا النص أن كتبا بعينها كانت قد ألفت في المقامات.

فهو يقول: «انظر في كتب المقامات» ... ولكننا حتى الآن لا نعرف منها ما أشار إليه ابن المدبر في القرن الثالث. وهي بهذا العنوان ...

أما مدلول المقامات فلم يكن محدودا. ومن تلك التي ألفها بديع الزمان الهمداني في القرن الرابع ما نجدها في ذلك تتصل تمام الاتصال بالأحاديث التي اخترعها أبو بكر بن دريد المتوفى سنة 321 ...

وقد تنبه الأقدمون إلى هذا فقال الحصري في (زهر الآداب) عن الهمداني: (لما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا وذكر أنه استنبطها من ينابع صدره واستنسخها من معادن فكره وأبداها للأبصار والبصائر وأهداها للأفكار والضمائر في معارض عجمية وألفاظ حوشية .. عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا.

هكذا يقول الحصري. ولكن أين تلك الأحاديث؟؟ إننا نجدها مبثوثة في كتاب الأمالي لتلميذه القالي المتوفى بقرطبة سنة 256 ...

ففي هذا الكتاب نجده قد ساق 28 حديثا منسوبا إليه بهذا الاسم إلى جانب أحاديث أخرى رواها عنه ..

ولكننا بالرغم من أن تلك الأحاديث يبدو عليها طابع الاختراع فإننا لا نجزم بكونها المقصودة في (زهر الآداب) ذلك أن ابن دريد فيها يسندها لأولئك الذين رواها عنهم بأعينهم المعروفة مع أن الحصري نص على أن ابن دريد ذكر أنه استنبطها من ينابع صدره واستنخبها من معادن فكره ...

فهل ما نص عليه الحصري نسبته إلى ابن دريد؟ وإن صح فهل تلك الروايات إنما كانت من زيادات القالي - الذي اضطر إليها وهو بقرطبة الحريصةعليها-؟؟

لا يمكن القطع بالجواب ...

ومهما يكن فقد وجدت هذه الأحاديث بكثرة في القرن الثالث لم يسمها أصحابها بالمقامات كما وجدت كلمة المقامات بدلالاتها الأدبية في هذا العصر بالذات ولكنها دلالات لم تكن محدودة ...

ومن بين تلك الأحاديث ما ذكره المبرد المتوفى سنة 285 مثل قصته التي ادعى أنها جرت بينه وبين بعض المجانين في عهد المتوكل ... وقد ذكرها المسعودي في كتابه (مروج الذهب) كما ذكر قصصا أخرى من بينها ما ذكره الجاحظ أيام المتوكل أيضا، وادعى أنه كان شاهد عيان فيها ... وهي قصص غريبة الوقوع جدا تدور حول الحب والجود بالأرواح فيه لأدنى سبب ... ومن الطريف في هذا العهد بالخصوص أننا نجد قصصا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت