فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص22
للأستاذ محمد بن تاويت
إذا كانت الجاهلية - في جميع الشعوب- تقوم حياتها على مقومات الصراع الفردي والجماعي، وإذا كان الشاعر لسان حال جماعته، ومرءاة ينعكس عليها ما يصطخب في تلك الجماعة، وصدى يردد ما يتجاوب فيها من أصوات، فلا محالة أن يعتمد شعره- في ذلك- على المثل العليا التي تطمح إليها أبصار جماعته، وتعدها مظهرا من مظاهر سؤددها وعظمتها ....
ومن المعلوم أن هذه المثل الجاهلية تعد في قائمتها الأولى الشجاعة في الحروب، والغلبة على الخصوم، بشتى ألوان القهر وأعنف وسائل الاستظهار. لهذا نجد الشعراء في هذا المضمار يشيدون بمواقف أبطالهم، وبمواقفهم- هم- أن كانوا من ذوي السيف والسنان، بل أنهم يشيدون- أو بعضهم- بمواقفهم هذه حتى ولو لم يكونوا من هؤلاء، كما نجد ذلك مسجلا لهم في كتب الآداب، مثل كتاب"الكامل"الذي سجل فيه المبرد أكاذيبهم، في الباب الذي عنونه بأكاذيب العرب
هذا النابغة- مثلا- يمدح عمر بن الحارث، فيصف شجاعته و شجاعة قومه بأوصاف بالغة في الفتك بالأعداء، يعرفها الناس منهم كما تعرفها الطيور الكواسر التي تحلق عصائبها فوق رؤوسهم عند الغزو.
وهذا عمرو بن كلثوم يفخر بنفسه وبقومه، فيصف شدتهم في الحروب التي تطحن رحاهم فيها الناس، فتكون"ثفالها شرقي نجد، ولهوتها قضاعة أجمعينا"... وهذا وذاك من مئات الشعراء الذين تطفح دواوين الحماسة بأشعارهم في هذا الباب ....
نعم، هذه قضية لا يحتاج فيها إلى تعليل ولا ضرب للأمثلة، مادام الشاعر أبن بيئته، والمصور لما يتراءى فيها من شخوص، والمعبر عما يفكر فيها من رؤوس ... وعلى هذا فموقف شعراء الجاهلية من السلم، موقف لاشك أنه مخالف تمام المخافة، ومناهض لمن يقول به إن كان ثمة من يقول بهذه الفكرة ... إلا أن هناك شاعرا أجمع - فيما نعلم- مؤرخو الأدب على أن له موقفا يناقض موقف باقي الشعراء إزاء الحروب.
هذا الشاعر- كما يقولون- هو زهير بن أبي سلمى، فهم يعدونه شاعر السلام، الداعي إلى"نزع السلاح"إن عبرنا عنه بلغة اليوم.
ولكني أخالف هذه الجماعة، فيما أجمعت عليه، فالحقيقة أن موقف الشاعر لا يختلف عن مواقف زملائه في هذه القضية، فنحن إذا ما أردنا أن نقارن بينه، وهو شاعر السلام، وبين عنترة، وهو شاعر الحروب، فإننا نقول:
لا ننتظر أن نجد لهذين الشاعرين رأيا في الحرب ولا في السلم من حيث الفكرة المجردة، كما للمفكرين والكتاب من النوعين ... وإنما نحاول أن نبحث عن موقفهما في هذه الحرب التي تكتوي بها قبيلة الشاعر نفسه، أو يشارك في هذه الحرب الخصوصية، كما نبحث عن موقفهما من مسألة السلام إن كان لهما موقف فيها ....
ففي معلقة زهير- التي نوه بها القوم- نلاحظ أنه يكره الحرب فيها، ولكنها الحرب التي شبت بين قومه عبس وذبيان، وكرهه هذا يتجلى فيما يأتي:
أولا، مدحه الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، حيث أوقفا رحى الحرب بين هاتين القبيلتين، واحتملا في سبيل هذا الصلح، الديات، ثم وصفه إياهما بأنهما قد أصبحا على خير موطن، فهما بعيدان عن عقوق الأقارب وإثم قطع الرحم:
يمينا لنعم السيدان وجدتما
على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبسا وذبيان بعدما
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وقد قلتما أن ندرك السلم واسعا
بمال ومعروف من القول نسلم
فأصبحتما منها على خير موطن
بعيدين فيها من عقوق ومأثم