فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص23

ثانيا، سعيه الحثيث في أخذ العهود والمواثيق، من ذبيان وحلفائها، بأن لا يعودوا لمثل هذه الحرب وإراقة الدماء، وأن لا يكتمون الله ما في نفوسهم من الغدر، والحنث بهذه الإيمان المغلظة، ثم تحذيره إياهم بأن الله يعلم ما تكن الصدور، وأنه سوف يحاسب على ذلك يوم الحساب، أو يجعل العقوبة عليه في هذه الدار:

ألا أبلغا لأحلاف عني رسالة

وذبيان هل اقسمتموا كل مقسم

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أو يعجل فينتقم

ثالثا، وصفه لهذه الحرب بالأوصاف المنفرة المتعددة وما تأتي به من الويلات والثبور:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وماهو عنها بالحديث المرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضر إذا ضريتموها فتضرم

فتعرككم عرك الرحى بثفالها

وتلقح كشافها ثم تنتج فتتئم

فتنتج لكم غلمان أشام كلهم

كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها

قرى بالعراق من قفيز ودرهم

رابعا، تصوير حال هؤلاء المقاتلين، وقد كانوا يعيشون في دعة وهناء، ثم دفعوا إلى الحرب فخاضوا غمارها بهذين البيتين:

رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا

غمارا تفري بالسلاح وبالدم

فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا

إلى كلا مستوبل متوخم

ومن هذه القصيدة، نستنتج أن زهيرا لم يكره الحرب مطلقا، وإنما كره الحرب التي شبت بين قومه، لأن فيها فناء لعشيرته، ولأن فيها قطع الأرحام بينهم، ولأنها تنشيء جيلا يرث هذه الأحقاد، وهذه الضغائن، أما الحرب التي يفرضها واجب البقاء والنعرة العربية فلا يكرهها، بل يوجبها، كما نجد ذلك في القصيدة نفسها:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ومن لايظلم الناس يظلم

وفيها يمدح هذا الحي بقوله:

لحي حلال يعصم الناس أمرهم

إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم

كرام فلا ذو الضغن يدرك تبله

ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم

كما يمدح فيها حصينا، بأنه أخذ ثار أخيه، واستعد لملاقاة عدوه:

لعمري لنعم الحي جر عليهم

بما لا يؤاتيهم حصين بن ضمضم

وكان طوي كشحا على مستكنة

فلا هو أبداها ولم يتقدم

وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي

عدوي بألف من ورائي ملجم

فشد فلم يفرغ بيوتا كثيرة

لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم

لدى أسد شاكي السلاح مقذف

له لبد اظفاره لم تقلم

جرىء متى يظلم يعاقب بظلمه

سريعا والا يبد بالظلم يظلم

فزهير - إذن- في قصيدته لم يختلف عنه رجلا عربيا جاهليا، يحارب لكرامته بكل عنف، ويأخذ بثأره، بل ويحب العدوان على غير قبيلته، فيظلم من لا يظلمه، ويأبى كل الإباء أن يدرك من قبيلته تبله، فمبدأ"أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"مستحكم فيه تماما. وكل ما في الأمر أنه يكره الحرب التي تدور رحاها بين قومه، لما في ذلك من الأضرار التي عددها في قصيدته. أما أنه يكره الحرب كما يكرهها من يكرهها عن عقيدة وفكرة إنسانية، لأنها الحرب التي تفني الإنسان وتسبب له الأضرار الجسيمة، فلا تبدو هذه الفكرة في شعره بالمرة، لأن طبيعة الرجل الجاهلي لا تسمح له بذلك ...

وإذ قد عرفنا موقف زهير من الحرب، فإننا لا نجد فرقا كبيرا بينه وبين عنترة الذي اشتهر بمواقفه العنيفة فيها، وإن كان ثمة فرقا فإنما هو ظاهري فقط يقول عنترة:

أثني على بما علمت فإنني

سمح مخالفتي إذا لم أظلم

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل

مر مذاقه كطعم العلقم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت