فهرس الكتاب

الصفحة 2296 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 ص30

للأستاذ: محمد العيساوي

كانت دعوة الإسلام إلى المثل الأخلاقي دعوة صحيحة، خط لها خطوطا كبرى في نفس الإنسان وفي ميوله وسلوكه، وجعل لها مفاهيم ثابتة لا تنتقض بمرور الزمان، خدمة للإنسانية كلها، وإذا كان هناك عوامل أخرى يمكن أن تقارب دين الإسلام في الخطة التي سلكها وفي الوسائل التي استخدمها لتحقيق الغرض منها، فليس في إمكانها أن توفق توفيقه في بناء الشعوب عبر هذه الأخلاق، وفي تغذية الشعور الإنساني عن طريق هذه القيم وفي تكيف الإنسان تكيفا سليما عن طريق هذه المثل.

فعامل العصبية أو الوطنية أو العرف أو القانون لكل أثره في كل زمان وفي كل مكان، في نشر الدعوة والتوجيه إلى فكرة ما، قد تنعم بها المجتمعات على نسب متفاوتة، ولكن بالقياس إلى الخلق الإسلامي الذي يقوم بحراسة الضمير والنفس والعقيدة والمجتمع ونظام الحياة عامة، ويحفظ التوازن بين هذه القوى في سبيل أدائها لوظيفتها تنتهي إلى التسليم بعدم أصالتها وعدم قدرتها على الاستمرار بمنجاة من كل عارض يحول بينها وبين ما تريد تحقيقه.

بل لا نبالغ في القول إذا قلنا أن كل ما تلاقيه تلك العوامل من النجاح وما تهيئه لها الظروف من انتصار وما تتيح لها من امتداد، إنما ينبني على ما بينها وبين العالم الديني من صلة، وعلى ما يشع عليها من أضواء، وليس هذا بغريب عن سير الحركات الإنسانية، فإن انطلاقها في الحياة كان يعتمد على هذا المدد الروحي الذي تستمد منه صورة حية لوجودها.

يولد الإنسان وتولد معه قوى ودوافع وبواعث، وإحساسه بالدين والحاجة إليه قد يفل من حدة غوايتها، ويكون اللبنة الأولى في صرح إنسان متكامل القوى متكامل الأهداف متماسك الأطراف.

وقد دخل على الناس الخطأ والخبط عند تحديد مدلول الأخلاق في دين الإسلام، حتى ذهب بعض الباحثين من الكتاب الغربيين المولعين بالتلفيقات على الإسلام والتجني عليه، على أن الأخلاق في الإسلام لا تكفي كي تكون أساسا لتقدير الأشخاص أو تقويم الأعمال والرجال.

وقد يكون في هذا القول المغرض ما يكفينا مؤونة تجريد أقلام وافهام لنقضه وإبطاله، أما حين يدرس الناس واقعية أخلاق الإسلام وأهدافها وانتظامها لدنياهم ودينهم، فقد يفضي بهم إلى أن تلك الأخلاق ليست نظرية جافة يلقنها الإسلام لأتباعه لأخذهم بها، واستنامة الجماهير إليها، بل إنها أخلاق عملية لها مناهجها الواضحة، وتصرفاتها المعقولة، ولا تنحصر في دائرة ضيقة من المظاهر الباهتة والتشكيكات. وقد كان من الجدير بهذه المثل الحية - وهي على النحو الذي ذكرنا - أن تنطبع بها النفس ويراض عليها الضمير، ويمرن عليها اللسان وتستقر في منازلها من سريرة الإنسان وشعوره وتخالطه في صميمه، وترتبط بالإيمان وبالعادة وبالحس الاجتماعي، والتحليل الذاتي، وتنسل العقد المكبوتة من جميع ذلك كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت