دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 32
بعد سنتين
بقلم: المهدي البرجالي
إذا كانت الشعوب في مختلف أرجاء المعمورة قد أمكنها أن تشد من أزر المناضلين في بور سعيد، وتظاهرهم على دحر العدوان الذي شنته الرجعية الدولية على الشعب العربي المتحرر في مصر، فإن على هذه الشعوب نفسها أن تبقى يقظة حذرة مستعدة ـ والشعب العربي إلى جانبها ـ لإحباط مشاريع العدوان في جهات أخرى من المعمور، كما أن عليها أن تزداد تقاربا وتكاثفا حتى تستطيع بذلك فرض المثل العليا، التي قدم شهداء المدينة المصرية الخالدة، أنفسهم قربانا على مذبحها المقدس.
منذ سنتين، وفي مثل هذا الشهر، وفي الساعات الأخيرة من أكتوبر 1956 وبينما كان العالم لا يزال مشدوها من حادث القرصنة الجوية المشنة من طرف السلطات الفرنسية على الطائرة المغربية المقلة للزعماء الجزائريين، انقضت القوات الإسرائيلية في هجوم مباغت وسريع على المراكز المصرية في إقليم غزة.
وبينما كانت قيادة «موشي ديان» تنفذ خططها الهجومية الغادرة على شبه جزيرة سيناء، كان الفرنسيون والبريطانيون يترقبون الرد المصري على الإنذار الذي كانوا قد وجهوه إلى حكومة القاهرة، والقاضي بضرورة إيقاف إطلاق النار لكي تتمكن من تحقيق مزيد من التقدم يخولها إمكانية الإشراف على القناة المؤممة!!.
ثم تلا كله هجوم عام مشترك شنته القوات المتحالفة من قبرص على تراب الجمهورية المصرية، بعد أن قصفت أجزاء هامة من القطر قفصا مدمرا.
وانتكست ساعة قضية الحرية في العالم انتكاسا مريعا، وضج الأحرار في كافة أرجاء المعمور من هول الموقف ومن شناعة الظروف التي اكتنفت هذا العمل العسكري الغريب.
وفيما كان الشعب العربي بمصر، يستبسل في الدفاع عن سواحل البلاد الشمالية ويتهيأ لمواجهة الموقف على الحدود الشرقية، كانت أفئدة الملايين من البيض والصفر والسود والسمر، تخفق للرابضين وراء المتاريس في بور سعيد وتبارك لهم نضالهم البطولي الرائع، وتتغنى بأهازيج جهادهم الكبير.
وانقلب يومها التوازن الدولي لصالح الحرية التي كانت تتجسد في مواقف المناضلين عن القناة، وذلك على نحو مثير لم يعد معه من الميسور للإستراتيجية الحليفة النفاذ إلى نقطتها النهائية، أي إصابة الطاقة الحربية المصرية، واصطناع أسباب الانقلاب السياسي ـ الحكمي في القاهرة.
لقد كان المسؤولون عن تحضير التخطيطات السياسية والعسكرية لحملة السويس، يدركون سلفا أن دقة إخراج المسرحية، التي كم جهدوا في ابتداع أسسها وأحكام فصولها وحبك أطرافها، لا يغني عنهم كثيرا أمام قوة الوعي الذي أضحى الرأي العام العالمي يتوفر عليه، والذي ليس للأساليب الميكيافليلية المباشرة ـ من نحو تلك التي تم اللجوء إليها في الغزو الثلاثي ـ إن نصيب منه مكامن الإهداء، أو مظن التقدير، ولكنهم لم يكونوا في الواقع على درجة من عمق الإدراك وحسن التخمين إلى القدر الذي يمكنهم من استشراف ما قد