فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 17

للأستاذ: عبد الوهاب بن المنصور

كانت الرحلة الملكية إلى الولايات المتحدة فتحا معنويا للمغرب، وكسبا ثمينا لا يماري منصف في قيمته الكبرى وأهميته العظمى، بالنسبة للتطورات التي ينتظر أن تطرأ في المستقبل على سياسته الخارجية، ونمائه الاقتصادي.

لقد عاش المغرب طيلة القرون الأخيرة معتزلا العالم، منطويا على نفسه، حذرا على استقلاله أن يمس، واتقاء لعادية المطامع الأوربية التي عصفت بحرية أوطان كثيرة وجرت إلى استعمارها بكل سبيل، وقد حالت هذه العزلة بينه وبين مسايرة الدول الأوروبية في التقدم المادي والأدبي الذي عرفته في القرون الثلاثة الأخيرة رغم قربه الشديد منها، وحرمته من ذيوع الشهرة وانتشار الصيت، فأصبح نكرة بين الأوطان والشعوب، ثم جاءت الحماية فزادت في عزلته وتضييق الخناق عليه، فصار العالم لا يعرف عنه إلا ما تذيعه أبواقها وتنشره ورقاتها من الصور الشوهاء التي تظهره في مظهر مزر يبعد عن الحقيقة والواقع بعدا كبيرا.

ولكن الزيارة الملكية الأخيرة إلى الولايات المتحدة خرجت بالمغرب من عزلته القديمة، ومحت من الأذهان ما كان عالقا بها من الصور المزيفة عنه، وأبرزت شخصيته الدولية إبرازا كشف ما كان يحيط بها من لبس وغموض، ويرجع الفضل في ذلك إلى شخصية محمد الخامس التي لها وزنها الثقيل في الموازين السياسية والدبلوماسية، ومكانها الرفيع في قلوب الطبقات الشعبية، باعتباره بطل كفاح وقائد ثورة، وراعي نهضة وحامل مشعل تحرير؛ والشخصيات العظيمة لها من الفعل ما للمغناطيس، هذا يجذب إليه الحديد، وتلك تستهوي العقول وتملك الألباب، ولقد رأينا رأي العين، وسمعنا سمع الأذن، وعلمنا علم اليقين أن محمدا الخامس من الأفذاذ الخالدين خلود التاريخ، فشهرته طبقت الآفاق، وسيرته الرائعة صارت حديث كل لسان.

كانت الوزارات المختصة أعدت لهذه الرحلة طائفة من الكتب والمنشورات للتعريف بالمغرب ونهضته وكفاح شعبه وحكمة قيادته، وعملت جهدها لتصل في الوقت المناسب وتوزع في الأحوال الملائمة، ولكن المغرب كان له من شخصية ملكه الكريم ما يغنيه عن كل دعاية ويكفيه مشقة أي تعريف، فهو معتبر من شخصيات العالم الكبرى، وأعماله المجيدة وآراؤه الصائبة جعلتاه قبلة الأنظار ومتجه الأفكار، ففي كل محفل وقف فيه جلالته خطيبا، أنصت الناس إليه خاشعين متأملين كأن على رؤوسهم الطير، وعلقوا معجبين مقدرين، لما سمعوا من سمو الفكرة ولمسوا من طيبوبة الروح، لقد كان خير رسول لقومه إلى أهل الولايات المتحدة، وأكبر داع لوطنه في تلك البلاد العظيمة، كان المغرب والمغاربة ملء فكره وقلبه ولسانه، يتحدث بأمجادهم، ويتغنى بمآثرهم، ويعرف بحقيقة حالهم وآمالهم في حاضرهم ومستقبلهم، ويعرب عن وجهة نظرهم في دنياهم ودنيا الناس، ولقد رأيت القوم في كل مرة وقف فيها جلالته خطيبا أو متحدثا يبدؤون الاستماع في اهتمام عادي، حتى إذا خطا جلالته في الخطبة أو الحديث خطوات، اشرأبت إليه أعناقهم، وقلت حركاتهم، وساروا معه مأخوذين في انتباه كبير، ولا تلبث أن تراهم بعد ذلك يصفقون في جنون ويعلقون باستحسان، ويزحم بعضهم بعضا بالمناكب للاقتراب منه وتحيته وهو يهم بالرجوع إلى المنزل الذي يقيم فيه.

ولم يكن محمد الخامس الرئيس السياسي، والزعيم القومي، هو كل ما يجذب إليه قلوب الأمريكيين ويحببه فيها، لقد كان محمد الخامس الإنسان يفعل فيها فعل السحر أيضا، فبساطته في معيشته، وابتعاده عن التكلف والفخفخة في أحاديثه وتصرفاته، وامتلاء قلبه الكبير بالعواطف النبيلة، والإحساسات الشريفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت