فهرس الكتاب

الصفحة 4945 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 ص 45

للأستاذ: محمد الحمداوي

1)أصالة الحضارة في الطبيعة البشرية:

هناك خاصتان ثابتتان للإنسان منذ أن خلق الإنسان، أولى هاتين الخاصتين هي قدرة الإنسان الفطرية على التعقل والتفكير وإعمال النظر، وترتيب العمليات الفكرية ثم الاستنتاج ثم الاستفادة في الحياة العملية من هذا الاستنتاج العقلي الناشئ عن المقارنات الذهنية.

وتأصل هذه الخاصة، خاصة التفكير، في الإنسان هو الذي يجعلها تتيقظ وتنمو في حقلها الاجتماعي بمجرد استعمالها بعد أن حيل بينها وبين هذا الاستعمال لأسباب قسرية، كما ثبت ذلك في الحالات التي أثبتها المجربون الاجتماعيون على أطفال الإنسان الذين قدر لهم أن يعيشوا زمنا ما بين الذئاب وأطفال الذئاب، وكما ثبت ذلك في حالات الشعوب التي أصبحت متطورة خلاقة منشئة مخترعة، معطية وآخذة طامحة طامعة بعد أن زال عنها التحدي الإنساني الداخلي والخارجي الذي عطل فيها طاقات التفكير والعمل المتأصلين فيها. وتأصل خاصة التعقل والتفكير في الإنسان كذلك هو الذي جعل أولئك الذين يسيئون استعمال عقولهم عن عمد بعد تهييئ الوسائل لاستعمالها النافع يعيرون في الأسلوب القرآني بأنهم سفهوا حقيقتهم الإنسانية ورضوا لها الانحراف عن طبيعتها المكرمة وأصبحوا أحط منزلة من الحيوانات التي لم تمنحها هذه الهبة العقلية بالطبيعة (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) .

وثاني هاتين الخاصتين في بني الإنسان هي خاصة التعلم والتعليم والتقليد والاقتباس والإفادة والاستفادة ولعل تأصل خاصة التعلم والنقل في الطبيعة البشرية هو حكمة الله في أن أخرج أطفال الإنسان وهم لا يعلمون ما تعلمه صغار الحيوانات من جلب المنافع ودفع المضار، إرادة لأن يتحقق نمو الحياة الإنسانية واطرادها بالتعلم والاقتداء لا بالغريزة والطبع، ومن ثم كانت العائلة الإنسانية المكونة من الوالدين تشكل في نوعنا البشري ـ كما يقول كوردون تشايلد ـ اجتماعا أكثر دواما منه في الأنواع التي يصل صغارها إلى درجة النضوج بسرعة أكثر.

وبهاتين الخاصتين خاصة التفكير وخاصة التعلم اختص الإنسان أن يكون الحيوان الاجتماعي كما عبر عنه بذلك فيلسوف الإغريق أرسطو، وإذا كان الإنسان اجتماعيا بالطبع كان مدنيا بالطبع، يقول جلبرت هايت في كتابه (العقل غير المغلوب) «وأنت تسمع بعض الناس يقولون في هذه الأيام إن نشوب الحرب التالية خليق بأن يقضي على الحضارة، وقد يعني هذا نهاية عصر من عصور الحضارة، وقد نصير نحن أو من يبقى حيا منا أو ذريتنا من بعدنا متوحشين مرة أخرى، زمنا ما ولكن ما دامت كرة الأرض تصلح دارا للأحياء وما دام مخ الإنسان الذي لا يزيد وزنه على 1417 غراما هو هو، الأداة العجيبة للاكتشاف والاختراع والملاءمة فإنا سنبقى قادرين على أن نعيد بناء الحضارة بل سنلقى أنفسنا مسوقين إلى إعادة بنائها» ويقول: «ولن تجد بين الأحياء جماعة سوى جماعة البشر، يستطيع أفرادها حقا أن يتعلموا ويتذكروا ويفكروا تفكيرا مبدعا متخطين حدود الجماعة الواحدة ومتعلمين» وما عبر عنه جلبيرت هايت بعباراته هذه من تأصل التحضر في الطبيعة البشرية ما دام من خصائصها التعقل والتعلم هو الثابت ثبوت الحقائق في علم التاريخ الطبيعي، وعلم السلالات البشرية، فكما أثبت التاريخ الطبيعي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت