فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يجب على القيادة «أن تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي أو توجيه استعماري. وبذلك نستطيع القيادة أن تقف على حقيقة آمال الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية. فإن استطاعت أن تصل إلى ذلك الفهم وأن تؤمن بمبادئ الأمة إيمانا عميقا خلاقا، فإنه يسهل على القيادة تعبئة الأمة روحيا وفكريا والإهابة بها إلى التشييد» .
هذا نوع من التفكير يكتسي ثوبا جديدا من حيث الصياغة والتعبير، ولكنه لا يختلف في جوهره عن تفكير أجدادنا في أواخر القرن الماضي. ولندع جانبا بريق الألفاظ ومزايا الأسلوب لننظر إلى فكرة الكاتب بالنقد المجرد.
إذا سايرنا الكاتب في منطقه وسلمنا بالمقدمات التي وضعها، فماذا تكون النتيجة؟
يجب أن نغلق الأبواب أمام كل تأثير فكري يتسرب إلينا من الخارج لنصحح عقائد ناشئتنا ونصونها من كل انحراف. ومعنى هذا أن سلامة العقائد في بلادنا لا يمكن أن تنبني إلا على الجهل بما عند الغير.
وأي قيمة تبقى للعقائد إذا بنيت على هذا الأساس؟ إن هذه النظرية تفترض ضمنيا أن أفكار الغير قد تكون أقوى من الأفكار التي نركز عليها عقائدنا إذن، فالأفضل أن نرفض من أول مرة الاحتكاك والمناقشة. ولا تحتاج إلى الملاحظة هنا بأن العقائد والأفكار لا تصح إلا بالمناقشة.
نضيف إلى ذلك أن مبادئ الإسلام، على ما نعلم، لا تتفق مع هذا الرأي. ففي الأثر: «اطلبوا العلم ولو في الصين» . و «الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أين وجدها» . وهذه الدولة العربية الإسلامية في أوج نهضتها لم تستنكف عن الاقتباس من الغير. وكتاب المرحوم أحمد أمين «ضحي الإسلام» يبين إلى أي حد بعيد تأثرت ثقافتنا العربية بالثقافات الأخرى من فارسية وهندية ويونانية ورومانية. وما حدثنا التاريخ إن علماء الإسلام كانوا لا يرون في ذلك أي خروج عن حدود الدين. بل كانوا أول المشاركين في حركة الاقتباس والمتطلعين إلى معرفة ما عند الغير.
ثم أن نظرية الكاتب، من جانب آخر، تنطوي على نوع من التحكم الاستبدادي في قيمة عقول أبناء الجيل. فما الذي، يا ترى، يخول له أن يستصغر تلك العقول حتى يراها مغلوبة من أول ساعة وبدون مقاومة أمام الغزو الفكري الأجنبي؟ ولماذا لا يقبل ولو على سبيل الفرض أن لتلك العقول، كما لعقله ولا شك، ما يسمى بملكة النقد والتمحيص؟ إن إشفاقه المشكور على عقولنا لا يعني إلا أنه اكتشف بطريقته الخاصة أنها دون المستوى العادي مما يجعل منا مخلوقات طيعة في يد الاستعمار الثقافي يوجهنا كيف شاء.
ثم ماذا يقصد الكاتب بالثقافة «المختارة المحدودة» التي تجهزها لنا الدول العظمى؟ أهي كتب تفرض علينا دون أخرى؟ أم هي أقفاص تضعنا فيها لتصب لنا في الكوز قطرات شحيحة من ثقافتها؟ أن الصورة طريفة في بابها، ولكنها من قبيل الخيال.
ثم هل فكر الكاتب بجد في الوسائل العملية لتحقيق برنامجه؟ ذلك أن الفكرة التي يدعو إليها لا يمكن خدمتها إلا بإحدى طريقتين: طريقة الإقناع العقلي بالمناقشة والتوضيح والمقارنة، وسيكون عليه آنذاك أن يحترم حرية الغير وأن يقبل اعتراضاتهم وملاحظاتهم ويجيبهم عليها، وطريقة الإكراه والفرض بالقوة. وهذا يستوجب إحداث نوع من محاكم التفتيش التي كانت بأروبا في القرون الوسطى والتي كانت مهمتها البحث في عقائد الناس واضطهاد كل من يحمل فكرة لا توافق مذهب الكنيسة.
ولست أعتقد أن محاكم التفتيش من هذا النوع مما يتفق وروح الإسلام ومبادئه. فهل هذا الذي يريد أن يوصلنا إليه الكاتب؟ وهل يرضى لإخوانه المسلمين أن يعيشوا في عهد من تحجير العقول وتقييد الحرية الفكرية؟
ولسنا في حاجة، بعد هذا، إلى تبسيط هذه الحقيقة البديهية المسلمة لدى الجميع وهي أن تبادل الأفكار والعلوم والثقافات نعمة عظمى تستفيد منها الإنسانية ويفضلها تضيف كل يوم لبنة جديدة في بناء الحضارة.
لقد كان لأجدادنا بعض العذر إن كانوا يحملون مثل هذه الأفكار ويدعون لها لأنها كانت مطابقة لحياتهم وبيئتهم الاجتماعية ولأنهم لم يكونوا يدركون فوائد التطور والأخذ بالثقافة العصرية وكانت تغيب عليهم أشياء كثيرة. أما أن يقوم اليوم دعاة يتناسون التجارب القاسية التي مررنا منها ويتجاهلون الأشواط التي قطعنا في تطورنا والمكاسب الفكرية التي حصلنا عليها، ليطلبوا منا أن نعود إلى عهد تجسم فيه انحطاطنا وتدهورنا، فهذا مما يدعو إلى العجب ويترك اللب شاردا.
(يتبع)
سلا: محمد زنيبر