فهرس الكتاب

الصفحة 1891 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 ص 43

بقلم الأستاذ بييربوتي

تعريب الأستاذ محمد الدكالي

لقد حقق المغرب الآن قفزة باهرة تخطى بها الزمن الذي كان يباعد بينه ما يسمى «بالتقدم» .

والواقع أن شبيبته المتفجرة حمية وحماسا، المقدرة أعمق التقدير لمسؤولياتها قد وجدت نفسها -هي وقادتها- تهيمن بين عشية وضحاها على قطر لم يسبق لها أن تدربت على تسيير شؤونه فأصبح على المغاربة أن يتزودوا بالنصيب الأوفر من الشجاعة والأقدم حتى يتسنى لهم القيام بجميع الأعباء التي تتطلبها إدارة شؤونهم بأنفسهم.

أما رأيت المغرب يشمر عن ساعديه ليتولى قيادة مصيره بيده وهو خلو من جميع الإطارات ليس عنده إلا ما ترك المحتل ... ولم يترك إلا ما زهد فيه.

لقد كان المغرب أن يبدأ بناء الصرح من الأساس غير معتمد إلا على أقلية جد قليلة ولكنها يقظة صادقة العزم، مسلحة بثقافة عالية منها ما استمدته من العلوم الإسلامية ومنها ما استمدته من غيرها. أما بقية الشعب وهي بقية تشمل أغلبيته الساحقة فما كان لها من عدة غلا جميل الإرادة والعزم الوطيد والإيمان الراسخ بالمستقبل.

لم يعد المغرب قابعا في عقره، منزويا على نفسه بل فتح نوافذه ونظر إلى الخارج فسرت فيه روح جديدة وملأت كلمة «التقدم» الساحرة عيونه وآذانه وأصبحت هدفه وغايته وشعاره الذي تلألأت أنواره في مخيلته كما يتلألأ لهيب المشعل في ظلمة الليل.

وقد طغت كلمة «التقدم» على ما عداها وأصبحت الهدف الذي تقوم لتحقيقه الأحزاب السياسية والنقابات الساهرة على مطالب أعضائها، ومن اجل ذلك التقدم نشأت الاتصالات مع الخارج وبدأت دراسة العلوم العصرية والمنجزات الاجتماعية، بل لقد صار الحديث عن هذا التقدم حديثا عن إله معبود جعل الناس ينسون ربهم ورسوله وسنة الرسول ليتجهوا في عزم وإصرار نحو المدينة المادية يترامون عليها وهم في خوف من إعطائها اسمها المادي ولكن هذا الخوف لا يمنعهم من متابعة الخطوات إلى الإمام، ومن السير السريع نحو الرفاهية، غير ناظرين إلا لها، تاركين أرواحهم منسية في عقر ديارهم!.

لقد تخلى الناس عن كل شيء يعوقهم عن الجري نحو المدينة العصرية، نحو النعيم المادي الذي أصبح المال أقرب سبيل للوصول إليه. لقد تخلوا عن الفلسفة الدينية وعن الأديان والمعتقدات وعن كل شيء في سبيل شيء واحد، هو النعيم المادي.

لم تعد العقيدة الإسلامية عند هذه الكثرة من الناس الذين جرفهم تيار العصر إلا نوعا من مخلفات الأزمان الغابرة لا ترضى إلا الكهول. أما الشبيبة فقد انساقت نحو «الشيء العصري» تريد أن يكون أثات منازلها ومكاتبها مصنوعا من الصلب، شأنه في ذلك شأن قلوبها الصلبة.

ولكن هؤلاء ينسون أن السعيد من آمن بعقيدة رائعة وكان على دين كالدين الإسلامي الإنساني الذي يحقق للشبيبة المغربية أعمق وأسمى مطامحها. عقيدة يستمدون منها السر الذي يهيئ لهم العمر الروحي المديد. إنها ينبوع الحياة المادية الصافية.

هذه حقيقة إلهاهم عنها الظن الخاطئ بان أقوال وعلوم أقطاب القرنين السابع عشر والثامن عشر لم تكن إلا تلاعبا بالروح، أقوال لا بداية لها ولا نهاية وعلوم لا تصلح نقطة انطلاق لفلسفات ثورية. والثورة عندهم هي قلب الأوضاع. إنهم ينسون أن الإيمان يخلق قوة داخلية، قوة في النفس لا تعادلها ولا تقوى عليها أية قوة أخرى. قوة لا تقف عقبة أمام أعمال البشر بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت