فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 ص 61

بقلم محمد برادة

ليلة من ليالي الخريف وهو في غرفته يحاول أن يبعد عنه الهواجس والأفكار، ليستقبل النوم ... إلا أن رياح الخريف كانت تهز خلال الأشجار فيبلغه صفيرها ويوقظ في نفسه أحاسيس حادة حاول بغير جدوى أن يتلافاها. لا يدري لماذا يذكره صفير الرياح بتجدد الطبيعة وتهيئها للتغير، كل شيء يتغير ويتجدد من حوله ... الرياح تقطع أميالا طويلة ساحبة في طياتها بذور الثورة على ما خلفه الصيف، فتنزع الأوراق التي شاخت لتفسح المجال لأوراق نضرة خضراء. ودون شعور جعل يقارن حالته بحال الطبيعة. إن الأمل الذي يتعلق به هو أن يخلق ويجدد ولكن يخيل إليه أن الوسيلة التي تذرع بها بطيئة الخطى، ضعيفة المفعول .. كانت وسيلته الحرف يعتصره من نفسه اعتصارا ويحاول أن يعبر به عن الحياة. كان في بادئ الأمر يفعل ذلك معتقدا أن كل ما ستخطه يداه سيؤتي ثمرته المطلوبة، ولكن شيئا فشيئا أخذت تتضح له معالم الطريق التي اختارها ..

وعادت الرياح تصفر، وشعر برغبة قوية في أن يكتب ويسجل ما تضطرم به نفسه، لكن لمن سيكتب؟ انه تذكر وجها صغيرا مستديرا يطفح بالحيوية، فتاة عرفها مدة وجيزة ولكنه أحس أنها أقرب إنسانة إلى نفسه إلا أنه تصرف معها تصرفا قد تعاتبه عليه ... يتحتم أن يعتذر لها. وفي موجة الانفعال أمسك بالقلم ليكتب:

الآنسة منى:

أخشى أن تمزقي الرسالة قبل أن تتمي قراءتها، فنفسك البريئة قد لا تحتمل المراوغة وتعقيد الأمور، وقد تكفي رؤيتك للرسالة ممهورة باسمي لتمزقيها دون أن تكلفي نفسك عناء القراءة لأنني في نظرك أكتب بروح لا ألزمها في تصرفاتي ... لكن رجائي إليك أن تكملي قراءة الرسالة لأني لا أريد أن أخسر صديقة مثلك.

أنا ما زلت أذكر لقاءنا العابر حينما كنت في زيارة خالتي وقدمتك لي على أنك طالبة مجدة ثم التفت مثيرة إلي في اعتزاز وهي تقول:

-فقيه العائلة.

وأسرعت أنت بالابتسام كأنما لتفهميني أنك أدركت قصدها. وكانت بداية الحديث بيننا عادية غير أنك أثرت انتباهي أو غروري -لست أدري- حينما قلت:

-لقد قرأت لك بعض ما كتبت وأعجبت به.

وظننت إطراءك مجرد مجاملة ولكنك مضيت في إبداء الملاحظات مما أقنعني بأنني أمام إنسانة تفهم ما تقرأ وتتمتع بذوق أدبي رقيق.

على أن لقاءنا الثاني عندما كنا نسير في الضاحية مشرفين على المدينة، جعلني أشعر أنني على عتبة لحظة تكون خطيرة في حياة الإنسان، يرتبط فيها بشيء جديد يغير من حياته ... كنت تثرثرين في براءة وتتحدثين حديثا وددت لو أنه لا ينتهي، ولكنني كنت سارحا بخيالي، وكأنما شعرت بشرودي فحولت كلامك إلى صيغة سؤال:

-ألست معي في أن الفنانين أفضل الناس، إنهم يحاولون أن يضيفوا شيئا إلى الحياة؟ وأجبت في شرود: ربما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت