فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 50

للأستاذ: محمد الطنجي

هل للإنسان أن يوصي بجميع ماله إذا لم يكن له وارث ولم يكن عليه دين مستغرق لجميع متروكة؟

عصر النهضة يتطلب ترك الحرية في أموالهم إذا لم تناف أحكام الدين. محمل حديث الوصية بالثلث عند المالكية الحنفية.

قرأت المادة الأولى في كتاب الوصية الذي وضعته لجنة تدوين الفقه الإسلامي، فإذا هي تخصص القدر الموصى به بالثلث فقط، حيث تقول: «الوصية حق يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته» وأصل التعريف عقد يوجب حقا، وقرأت تعريف الوصية في قانون الأحوال الشخصية المصري فوجدته عاما لا يقيد القدر الموصى به بالثلث ولا بغيره تقول مادة (530) الوصية تملك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع. وتنص مادة (534) على حالة جواز الزيادة على الثلث حيث تقول: يجوز لمن لا دين عليه مستغرقا لماله ولا وارث له أن يوصى بما له أو بعضه لمن يشاء، وتنفذ وصيته بلا توقف على إجازة بيت المال.

وكما أن ما سجل عند المغاربة هو مذهب مالك، فما سجل عند المصريين هو مذهب أبي حنيفة، ومذهب احمد في رواية، فرأيت بمناسبة صدور كتاب الوصية المغربي أن القي نظرة عابرة على تطور تشريع الوصية في الإسلام، وعلى مصدر الخلاف بين المذاهب حتى نرى هل من الأنسب أن يتوحد التشريع المتعلق بقدر الوصية، وما هو الأفيد لعصرنا الذي يتطلب النهوض بمشاريع كبرى تحقق عظمته ومجده، فأقول:

ندب القرآن وحديث الرسول عليه السلام المسلمين إلى الوصية، وبالخصوص الوصية للوالدين والأقربين، وحمل الجمهور قول الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرات الوصية) على الندب لا الوجوب. ثم لما نزلت آية المواريث صرح النبي بقوله: أن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث. رواه الأئمة الخمسة، فبقيت الوصية مندوبه ومستحية لمن عدى الوارثين، وكان للمسلم أن يوصى بجميع ماله إذا لم يكن له وارث كما فعل الحبر مخريق الذي دخل في الإسلام وأوصى بأمواله للنبي عليه السلام ومات شهيدا من يومه، فجعل النبي وصيته كلها صدقة، ففي سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: وكان من حديث مخيريق وكان حبرا عالما وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخيل، وكان يعرف رسول الله بصفته وما يجده في عمله، وغلب عليه ألف دينه، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم احد (يعني يوم غزوة احد) قال: يا معشر يهود والله أنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: أن اليوم السبت. قال لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله (ص) بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: أن قتلت في هذا اليوم فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله، فلما اقتتل الناس قال حتى قتل فكان رسول الله (ص) فيما بلغني يقول مخريق خبير يهود. وقبض رسول الله أمواله، فعامة صدقات رسول الله (ص) بالمدينة منها.

قال الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في ترجمة مخريق المذكور: وكان عالما، وكان أوصى بأمواله للنبي (ص) وهي سبع حوائط: المثيب، والصائفة، والدلال، وحسنى، وبرقة، ةالاعواف، ومشربة أم إبراهيم، فجعلها النبي (ص) صدقة. ثم ساق أحاديث في هذا الموضوع، فمن الممكن أن يكون لمخيرق ورثة يقوا على دين اليهود، فيقال لا توارث بين ملتين، فيكون ميراثه لبيت مال المسلمين كما انه من الممكن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت