فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 51

يكون له ورثة مسلمون اسلموا معه أو قبله، والنبي على الاحتمال الأول أخذ جميع أمواله وجعلها صدقة تنفيذا لوصيته، ولم يعلن عما تصح عليه الوصية وهو الثلث وما ينوب بيت المال، فلا يمكن حمل فعله إلا على أن الوصية بجميع المال صحيحة، لأنه في مقام التشريع الذي يقتضي البيان، ولو كان الأمر مخالفا للظاهر لبينه.

نعم أن تشريع الوصية استقر في النهاية على تفصيل خاص أعطى لكل حالة ما تستحق، فقد جاء عن النبي حديث رواه سعد بن أبي وقاص في زمن حجة الوداع كما في بعض رواياته، قال سعد: جاءني رسول الله (ص) يعودني من وجع اشتد بي، فقلت يا رسول الله أني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، واني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، افاتصدق بثلثي مالي؟ فقال: لا قلت فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قلت فثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، انك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتفكففون الناس. رواه الأئمة الخمسة.

فهذا الحديث هو أصل التفصيل في قدر الوصية، وهو ذو موضوع خاص هو وجود الوارث من الصلب. قال صاحب سبل السلام: قوله (لا يرثني إلا ابنة لي) أي لا يرثني من الأولاد، وإلا فإن سعد كان من بني زهرة وهم عصبته وقال الحافظ ابن حجر ما معناه: انه قد كان لسعد وقت الوصية ورثة غير ابنته، وهم أولاد أخيه عتبة بن أبي وقاص منهم هاشم بن عتبة وكان موجودا إذ ذاك 0 وتنزيل الحكم بناء على هذا يفيد أن الوارث المانع من الوصية بأكثر من الثلث هو وارث خاص، وليس مطلق الورثة قال الشوكاني فيس كتاب نيل الاوطار نقلا عن ابن حجر (واستقر الإجماع على منع الوصية بأكثر من الثلث، لكن اختلف فيمن ليس له وارث خاص، فذهب الجمهور على منعه من الزيادة على الثلث، وجوز له الزيادة الحنفية وإسحاق وشريك واحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود واحتجوا بان الوصية مطلقة في الآية فقدتها السنة بمن له وارث، فبقي من لا وارث له على الإطلاق) .

وقال شارح بلوغ المرام الصنعاني: والحديث ورد فيمن له وارث، فأما من لا وارث له فذهب مالك إلى انه مثل من له وارث فلا يستحب له الزيادة على الثلث (كذا) . وأجاز الهادوية والحنفية له الوصية بالمال كله، وهو قول ابن مسعود. ثم قال الصنعاني: وسبب الخلاف الاختلاف في المفهوم من قوله (انك أن تذر ورتتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) هل يفهم منه علة المنع من الوصية بأكثر من الثلث وان السبب في ذلك رعاية حقث الوارث، وانه إذا انتفى ذلك انتفى الحكم بالمنع، أو أن العلة لا تتعدى الحكم، أو يجعل المسلمون بمنزلة الورثة كما هو احد وجهي الشافعي. والأظهر أن العلة متعدية، وانه ينتفي الحكم في حق من ليس له وارث معين. وبمثل هذه الأقوال بين ابن رشد في كتابه بداية المجتهد سبب اختلاف الأئمة، إلا انه لم يرجح شيئا كما رجح الصنعاني.

وبعد فغن اغلب العالم الإسلامي يتبع مذهب الحنفية في جواز الوصية بالمال كله إذا لم يكن وارث خاص أو دين مستغرق للتركة، وإتباع المذهب المالكي أقلية، وحاجة نهوض العالم الإسلامي تقتضي ترك الحرية للناس في التصرف في أموالهم إذا لم تناف أحكام الإسلام ليمكن بعض الداخلين في الإسلام أن يوصوا بأموالهم كلها كما فعل مخريق في وصيته بأمواله للنبي يتصرف فيها بما أراه الله، كما تتطلب المشاريع الكبرى عسى أن يوفقهم الله لإنشاء مشاريع كرى تنفع أمتهم الإسلامية، ولا نستبعد أن توجد عندنا مؤسسات ضخمة كمؤسسة روكفلير بأمريكا وأشباهها، وكوصية جوائز نوبل بأوروبا.

على أننا في الوقت نفسه نكون متبعين لمذهب راجح من جهة الدليل، وان لم يكن هو مذهب الجمهور، لان المالكية ومن نحى نحوهم في الواقع الغوا اعتبار حالة السؤال التي وقع الحكم عليها، والغوا العلة والحكمة التي علل بها الشارع منع الموصى من الزيادة على الثلث وهي الخوف من ترك الورثة عالة يتكففون الناس، واخذوا الحكم مجرد عن اعتبار كل سابق ولا حق، فضعفت حجة هذا المذهب بسبب ذلك، فكان من الأنسب أن تأخذ لجنة تدوين الفقه المصلحة الغائية من التشريع بالاعتبار، فتحور الحكم لقوة الباعث على ذلك، ولمسايرة توحيد التشريع في العالم الإسلامي، ولما أسلفنا من فسح المجال أمام الأغنياء الذين لا وارث لهم أن أرادوا نفع أمتهم بجميع أموالهم في وصايا عظيمة، ولا باس بتحوير الوصية على نحو يتفق وهذه الغاية النبيلة التي اشرنا غليها لقوة الدليل وحاجة العصر. وفقنا الله جميعا لكل خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت