فهرس الكتاب

الصفحة 3587 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع1 /أكتوبر 1961 ص 25

للأستاذ: عبد السلام الهراس

واقعنا الاجتماعي:

إن الأمة التي تريد أن تبني كيانها يجب أن تقيم من نفسها رقيبا على سلوكها وتصرفاتها وناقدا لأساليبها في الحياة ووسائلها، والنتائج التي انتهت إليها، إذ بدون نقد ذاتي لا تستطيع أن تبتر عوامل التعويق لنهضتها وتعويضها بعوامل دافعة وفعالة لحركتها وتسديدها نحو الأهداف بكل دقة وإتقان وسرعة، ولكي تكون كذلك، لابد أن تتصف بنوع من الصراحة والجرأة والثقة بالنفس لتقدم على تجريد نفسها ووضعها في معمل النقد والاختبار والتحليل والمحاسبة لتحدد مكامن الضعف من جسمها وتحلل أسبابه وتتبع أعراضه لتصل إلى منابعه الأصلية التي توزع سمومها في أعضاء جسم الأمة، وبذلك تضمن لنفسها القضاء على المرض وبالتالي التمتع بالعافية والقوة.

وليس من علامة الحياة السليمة، أن تنصاع الأمة لعقدها فتتجاهل المشاكل التي تتخبط فيها، وتدبر عن معرفة معالجة الأمراض التي تمزق أوصالها وتعتور كيانها، خوفا من (الفضيحة) أو الظهور (بالنقص) أمام الأمم الأخرى، مثلما يفعل المريض (المعقد) أمام الأمم الأخرى، مثلما يفعل المريض (المعقد) حينما يخفي مرضه عن الطبيب بدافع عقده، ويتظاهر بالسلامة وأخيرا يكون المرض قد استشرى، فقضى عليه أو كون فيه عاهة مستديمة، وتلك الأمة تضطر إلى أن تلجأ إلى تعويض النقص بتكديس الأشياء والتعلق بالأشكال والمظاهر، وبذلك تتيح لتلك الأمراض الاستفحال والتأصل فتجعل من حياتها سلسلة من الأمراض والشقاء والعجز، وتعرقل حركتها ونهضتها وتطرحها أرضا عندما يكون الأصحاء يلحقون في الأجواء.

فالنقد الداخلي ضروري إذن، ليس فقط لاستمرار الحركة بل لضمان سلامتها وفعاليتها وتزويدها بعوامل القوة والسرعة والسداد للحصول على أعظم النتائج من اقرب طريق وأيسرها، ولذلك فسأتحدث أولا عن واقعنا الاجتماعي وسأكون صريحا في هذا الحديث.

لقد استلمنا شؤون أنفسنا، وأصبحنا نحن - لا الاستعمار- المسؤولين عن تلك الشؤون فهل استطعنا أن نخطط لإيجاد مجتمع سليم من الأمراض، أي مجتمع مثقف، أن الصفوة التي كان الأمل يعلق عليهم لتحقيق هذا الأمر قد امتصتهم عوامل وإطارات أبعدتهم عن معالجة المشاكل لاجتماعية، وكان يمكنهم ذلك أكثر قبل هذا الأوان، ولكن الفرصة ضاعت كما ضاعت وتضيع كثير من أخواتها، بل أني أرى أنه قد برزت في المجتمع المغربي ظواهر خطيرة، كما اختفت منه أو كادت ظواهر طيبة كان من الواجب استغلالها وتنميتها لإيجاد المجتمع الذي نريد. وأن أهم ظاهرة برزت في مجتمعنا وسيطرت عليه وأصبحت عنوانا لهذه الفترة من حياتنا هي أن (( المثل العليا ) )قد ضمرت في حياتنا الاجتماعية وتوارت إشعاعاتها فوجدت الظلام فرصة سائحة لينشر علينا رداءه ويتجاوب مع الشهوات.

وإذا انعدمت (( المثل ) )أو ضمرت فإن ذلك يعني تغييرا في طبيعة العلاقات الاجتماعية وتركيبا جديدا للمجتمع .. مما يفسح المجال الواسع للشهوات والأغراض الخاصة أن تسيطر على تلك العلاقات وتنحو بها مناحى خطيرة وتدفع بها إلى مهاوي التأخر والسقوط، لتضارب المصالح الفردية ولتحكم منطق الشهوات في الحياة الاجتماعية، واختفاء قيادة الروح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت