فهرس الكتاب

الصفحة 4563 من 5287

دعوة الحق، س.6 ع 2 /نونبر 1962 ص26

أبحاث ومقالات: مفهوم الكائن

للدكتور: محمد عزيز الحبابي

إن الكائن الإنساني معطى خام، يظهر ويصير كلما ازداد اتجاهه نحو التشخصن، ونحو الاندماج في مجتمع من الأشخاص. فهو باق «كائنا» خاما لم يظهر للآخرين، وبذلك نتوصل إلى معنى الارتباط بين الكائنات، لأن الظهور لا يكون إلا بالنسبة للآخرين. وهذا الارتباط هو الذي يجعلنا في طريق التشخصن. و «الظهور» لا يحمل في ذاته معاني خاصة، انه يقتصر على كشف «الكائن» باعتباره مادة أولية فقط. فلنتذكر المثل المشهور لقطعة من المزمر، والتمثال المنحوت منها، أو لنفكر قليلا في مثال أسهل: قطعة من القماش وضعت فوق منضدة الخياط، فهي عند ظهورها لأول مرة، عارية من كل دور خاص، ثم تصبح سروالا، أو معطفا أو شيئا غير ذلك عقب تدخل الخياط، وحسب إرادته. هكذا يصبح لقطعة القماش اسم معين، بعد أن كانت لها قابلية لتصير كل شيء، قبل هذه التدخلات (معطف، أو صدرية .. دون أن تكون احداها بالذات) . كانت كثيرا من الأشياء ولا شيء، في الوقت نفسه. يكفي أن يتحرك المقص حركاته الأولى، حتى نشهد اضمحلال كل الامكانيات. وهنا لا يبقى القماش كل ما كان يمكن أن يكونه، بل يصبح ما بدأ يكون. ولكي يكون للقماش بنية تعطيه الأخرى الممكنة. انه «كائن» ولكن كيانه الجديد ينحصر، من الآن، في اللباس الذي حددته تدخلات الخياط.

فإذا استعرنا التعبير الارسطي، جاز لنا القول بأن القماش قد انتقل من مرحلة «النوع» إلى مرحلة «الوحدة» ، أي من القطعة إلى اللباس. ولئن كان النوع أكمل من الفرد، فلأنه يتضمن في «ماهية» وحيدة الكمال النوعي للانهاية من الوحدات الممكنة: وفي ضوء هذا المعنى، نستطيع أن نتحدث عن تفوق النوع على الفرد. ونلاحظ (في مستوى الماهية فقط) أن «الفطعة - النوع» قد أصيب، في كينونتها، بصدمة انعدام الوجود الذي كانت ترمي إليه، منذ حياكتها في المصنع، بينما للصدرية وجود في الواقع أن في قطعة واحدة من القماش عددا من الكائنات الممكنة، أكثر من كل الثياب المقصوصة والمخيطة في الواقع، لكن ثوبا واحدا موجودا اغزر كينونة وواقعية من كل امكانياته مجتمعة.

وليس هذا المصير خاصا بالقطعة من القماش فحسب، بل هو مصير كل الكائنات، حتى الكائن البشري. إن المرء يجد نفسه منذ ولادته، وبشكل خاص به، أمام خياطه، أي «الآخرين» ، (الغير) . يوضع له سجل هويته: فهو طفل لقيط، أو ابن تاجر كبير أو ابن بواب .. وينسب إلى جنسية، وتاريخ قومي ودين ... فطفلنا هذا يصنف ويرتب، ويعين له مكان من سجل المجتمع. لقد جند وعبئ دون موافقته، بل دون أن يسأل: من الآن فصاعدا يجب أن يحمل اسما معينا، ويتكلم لغة لم يخترها، ويحشر في معاشر جماعية لا يعرفها. هكذا سيربي ويعلم، حسب نظرة خاصة إلى العالم. فالآخرون اذن، يرسمون له برنامج وجوده ويهيئونه له، دون أن يؤخذ رأيه (على أنه لا وجهة نظر له، حتى الساعة) في هذه الوضعية، يتفتح شعور الطفل، وسيعكس فيما بعد، كل ما اكتسبه منذ وصوله إلى العالم، فينتقل من مرحلة الظهور إلى مرحلة الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت