دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 57
قصة مغربية: الفقيه الكرفطي
للأستاذ: أبي بكر اللمتوني
كان الصبية يراوحون بين النظر إلى ألواحهم والتطلع إلى فقيههم، ولم يكونوا في الحقيقة يتبينون شيئا، فقد كانت ألواحهم لا تكاد تستقر بحروفها على ضوء الذبالة الراقصة، وكان فقيههم، على بعده عن الشمعة التي يدورون هم عليها، هامدا ساكنا، لا يكاد يبين عن سره بحركة يتحركها جسمه الضخم، أو خلجة يختلجها وجهه الكبير، وإنما هو الفضول يدفع الصبية إلى استطلاع سر الفقيه فيرنون إليه، ثم الخوف يردهم إلى ألواحهم يتصنعون قراءتها وما هم بالقارئين.
وكان الشجن الذي يصارعه الفقيه خليقا أن يحمله على الزفير والتحيب، أو يحيله على لحوم صبيانه يشبعها قرصا وجلدا، لولا أنه صنع هكذا كله، ثم ركن إلى الخضوع والاستلام.
وأقفل «قاسم» البقال دكانه في ضجته المعهودة. ومر الأعمى بائع النعنع يهتف ببضاعته على توقيعات عصاه الحديدية.
وظهر مؤذن الزاوية الذي يعرف الفقيه به الوقت كأنه عقرب الساعة.
ولكن الفقيه الآن غافل عن الزمان والمكان، في دوامة الأفكار والأحلام والأشجان.
كانت عينه إلى الشارع، ولكن فكره كان يذرع الخمسين سنة التي خلفها وراءه بما فيها من عسر ويسر وشدة ورخاء.
وبين الحين والحين، كان يعود إلى حاضره، فيسدد نظره إلى نافذة تخفف أضواؤها من رهبة الزقاق الموحشة، ثم يعود إلى التيهان.
تلك نافذة البيت الكبير ... بيت الحاج الهادي الذي ترك عشرين مفتاحا في المدينة وخمسة عشر فدانا في الريف ... لقد اقرأ الفقيه فيمن اقرأهم من طلاب المدينة، ولد الحاج الهادي عبد الرحمن، وفي هذا البيت الذي يغمره الآن في سخرية وازدراء، كانت «ختمة» عبد الرحمن. إن الفقيه لن ينسى يومه ذاك الذي قهر فيه حساده وقتلهم شماتة ونكاية. لقد سبقت ذلك اليوم أيام استروح فيها الفقيه عبير العز وعرف لذة التدليل: اليوم الذي أبدع فيه «الزواقة» على لوح «الختام» فانهالت عليه الريالات من بيته انهيالا، واليوم الذي بعث فيه إلى «القيسارية» ليختار كسوته بنفسه ويشرف على تفصليها، والأيام الثلاثة التي كانت موائد بيت الحاج الهادي تتوالى عليه كما تتوالى عليه كما تتوالى موائد الجنة على سكانها السعداء. أيام سعيدة ... ولا كيوم الختمة ... إنه ليذكر ذلك اليوم جيدا ... يذكر المقعد الذي أوثر به في صحن الدار، أكبارا لقدره، وإجلالا للكتاب الذي يحمله في صدوره، وخضوعا لما يفرضه مقام شيخ الختام ... وأنه ليذكر، بل ويحس، تلك الخيبة التي انتابته عندما دخل الصبيان بالختام وهم ينشدون: «جابوه فرحت يمه وبوه» ، عندما فارق المدعون مجالسهم في الغرف، واحتشدوا في صحن الدار يتعرفون على الختام، ويتبارون في تكريمه بعطاياهم. كان هو حينذاك وكأنه واحد من المدعوين ... هذا يكزه من هنا وذاك يدفعه من هناك، حتى لكاد يقع من مقعده ذاك نصب له نصبا وأعد من أجله أعدادا، لولا أن تصدى والد الختام لتصحيح الوضع وصاح بالمحتشدين: «على رسلكم يا قوم، أن تفرحوا مرة بالختام، فافرحوا سبعين مرة بمقرئه الفقيه الكرفطي، معلم البلد وبركتها، صاحب الفتح في تحفيظ القرآن بها!» . وإن الفقيه ليذكر ما كان لهذه الكلمة المنصفة من تأثير على المدعوين، وكيف اربدت لها وجوه غرمائه التي كانت تلوح له كاحله من خلال أبواب الغرف حتى لا ينفجروا غيظا مما كان هو عليه من السر والجلال ... هربوا حتى لا يشهدوا فضله. فإذا هذا الفضل ينتشر ويفيض عليهم في الزوايا والأركان، وإذا هذا الفضل يعلوا ويعلوا ويغمر البيت