كله سفلييه وفوقيه، حتى ليدعو باشا المدينة ـ وكان من المدعوين ـ فقيها إلى تناول الغداء على مائدته، فأنظر إلى المدر رين يضؤلون ويضؤلون حتى لتكاد العين تخطئهم، وأنظر إلى فقيهنا يتخذ طريقه معدا نحو مائدة الباشا بين متبركات «التكافة» وزغاريد النساء.
ذلك الختام الحاج الهادي صاحب النفس الطيبة والقلب الكبير! .. لقد كان صادق الظن في ولده عبد الرحمن ... كان يقول عنه: إنه يقبل على الأوباش ويزهد في أهل الصلاح. وأنه لذلك حقا. ألم يقطع كل سبب له بشيخه بعد وفاة والدة .. ؟ ألم يحاول أن يجلوه عن الغرفة التي تركه والده يسكنها مقابل تفقد السطح الذي تقع فيه .. ؟
حقا لقد تغير الناس وحال الزمان.
عرس في الحي ولا يدعى فقيه الحي؟!
وهب أنه دعاك؟
نعم، هب أنه دعاك؟
وأعاد هذا السؤال فقيهنا إلى ما حوله .. هل تغير دعوته إلى عرس من هذه الحقيقة الفاجعة: جدران كالحة، وشمعة تحتضر، وخمسة صبيان أنصاف عراة ...
لقد تنكر لمبدئه وعصف بضميره حتى يقيل الكتاب من عثرته ويبعث فيه الحياة ...
علق اللوح الأسود فوق رأسه، وقد كان يحرمه ويكفر من كتب عليه كلام الله.
وأغضى عن الصبيان يجلسون أمامه وقد أرسلوا شعورهم كأنهم بنات الروم.
وعدل عن مهاجمة دور السينما ليحاسب من يلجها من صبيانه حرصا على أخلاقهم من الفساد.
وكان هذا بحسبه، ولو أن الله أراد لأمره أن يقبل بعد أبار.
وعاد الفقيه من تيهانه مرة أخرى إلى الجدران الكالحة، والشمعة المحتضرة، وخمسة الأطفال إنصاف العراة، فشعر بتعسفه البالغ في إمساك هؤلاء المساكين حوله، وهم لو خيروا لما اختاروا إلا أن يتركوه كما تركه زملاؤهم من قبل ..
ترى هل يجب أن يسرحهم بإحسان؟
وماذا يصنع بنفسه بعد ذلك؟
وارتأى الفقيه بعد أن فكر كثيرا وخمن طويلا، أن يتمارض ويسافر إلى قريته لعله وأجد فيها من أمره مخرجا.
ولأول مرة لم يستطع الفقيه أن ينام، لا لأن سريره في ضيق القبر وصلابة الصخر، ولا لأن أصوات الليل تتأذى إلى غرفته في السطح محتفظة بقوتها، فتحرمه من السكون الذي يحتاج إليه النائمون، ولا لأن قرميد الغرفة لا يفتأ يطقطق مهددا بالتراكم والانهيار، بل لهذا المجهول الذي ينتظره بعد ما كبر، وأصبح من العسير عليه أن يبدل من شأنه ويغير من عاداته.
وكان القمر لا يزال باهرا حين غادر الفقيه غرفته، وقد ارتدى جلبابه الوزاني، وحمل شمسيته العتيقة، وحقيبته الخشبية التي تعطل قفلها فحزمنا بحبل متين.
وأدهشه أن يحس لرجليه ثقلا وأن يضطر إلى جوهما جرا ... فتوقف يتملى هذه المغاني التي قد يكون هذا آخر عهده بها ...
هنالك البحر ترتجف صفحته في ضوء القمر كأنها أهاب جواد.
وهنا السطوح يغسل منور القمر جدرانها نقيا صافيا ثم ينساب منها ظلا داكنا.
سكون لا يشوبه إلا طقطقة الزوارق التي تقوى حينا وتضعف أحيانا.
ولكن السكون لن يلبث أن ينقلب حركة وحياة ...